فهرس الكتاب

الصفحة 18339 من 19127

نعم، إن إحياء الأرض بعد موتها دليلٌ على إحياء الإنسان بعد موته، ولكن طبيعة المصدودِ عن الحق العنادُ والاستكبار، فكما أنكر أهلُ مكة البعث فقد أنكره أقوام سابقون قبلهم وكذبوا المرسلين: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} [ق: 12- 14] . ووالله لو عقلوا لأدركوا أن مَنْ خلق أَوَّلاً قادرٌ على أن يعيد الخلق مرة أخرى، وهل يُعجزُ الخالقَ البعثُ وقد ابتدأ الخلق؟! حاشاه - تعالى - وتقدس: {أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] .

تؤكدُ الآيات هذه الحقيقة، وتبينُ علمَ الله - تعالى - لأسرار هذه النفس البشرية، من هَمٍّ وإرادة وعَزْمٍ، ووساوسَ وخطرات. وهذا يدعو العبد إلى المراقبة الدائمة لله - تعالى -؛ لأنه أقربُ شيء إليه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ} [ق: 16] .

ومع ذلك وَكَّلَ الله به ملكين يَكْتُبَان خيره وشره: {إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17-18] إنها مراقبةٌ دائمة، واهتمامٌ بهذا العبد الضعيف. ملائكةٌ ليس لهم عمل إلا مراقبة أفعاله وكتابة أقواله، فأيُّ منزلةٍ أكرمَ اللهُ بها بني آدم؟ وأيُّ ابتلاء يواجهونه؟!

أيليق بعد هذا التكريم وتلك المراقبة الدائمة أن يطلقَ العبدُ لنفسه العنان تقترف سيئ الأعمال، وتنطق قبيحَ الألفاظ؟! كان الأجدرُ بالعبدِ إذا همَّ بالمعصية، وخلا بنفسه، وتوارى عن الأنظار، أن يراقبَ الله الذي هو أقربُ إليه من حبل الوريد، ويستحيي من الكرام الكاتبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت