فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 19127

بدأ أبو العباس رحلته من الأندلس سنة (612هـ/ 1215م) في وقت تعرضت فيه بلاده إلى هجمات عنيفة من قبل الممالك الاسبانية المسيحية، وهددت ضواحي مدينته إشبيلية نفسها [81] . لكن ذلك لا يعني إطلاقًا أن أبا العباس خرج من بلده إلى المغرب ثم إلى المشرق جريًا وراء حظوظ جديدة في أراض أكثر أمنًا وأهنأ عيشًا، أو فارق فرقًا من مستقبل غامض في مدينته، ذلك أن فرصًا وافرة واتته في المشرق للبقاء والثراء [82] ولكنه آثر عليها العود إلى أهله وبلده بعد نيل بغيته من رحلته وتحقيق هدفه. والملاحظ بشكل عام فإن علماء الأندلس رغم محنة العدوان الاسباني المسيحي عليهم والإضمحلال السياسي في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، فإنهم ظلوا عاكفين على الدراسة والسماع وتواتر العلم والإقراء والتأليف، يتنقلون بين المدن لسماع حديث أو نسخ كتاب وكأنهم في بلاد في غاية الاستقرار ولا تحوم حولها الأخطار [83] .

استغرقت رحلة أبي العباس ثلاث سنوات [84] ، كان هدفه الأساس من القيام بها هو أداء فريضة الحج [85] ، ولكنها في الوقت نفسه كانت رحلة علمية قل نظيرها، فلقد لقي في رحلته تلك جملة كبيرة من أعلام علماء الحديث في كبريات مدن المغرب والمشرق في ذلك العصر من رجال ونساء، فأخذ عنهم واستجازهم، ثم أسمع بعضهم بدوره [86] ، ودون تلك الأسماء في (برنامج) خاص [87] ، وفي نفس الوقت اهتم بدراسة أعشاب المغرب والمشرق، فبحث عنها في أطراف المدن التي حل بها وبضواحيها، وكون ملاحظاته الخاصة عنها، وسأل سكان تلك البقاع عن تسمياتهم لها واستخداماتها الطبية عندهم، وناقش في أكثر من مناسبة علماء النبات في تلك البلاد فيما يتعلق بنباتات وأعشاب بلادهم وبلاده [88] ثم وضع حصيلة تلك التجربة مجتمعة في كتاب فريد في النبات أسماه (الرحلة) [89] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت