الدينية بإتجاه الحديث والظاهر، خاصة أن الخليفة عمم تعليمات بهذا الخصوص إلى كل طلبة العلم في المغرب والأندلس [70] ، وعلى الرغم من أن ابنه وخليفته، يوسف، تعصب لفكرة أبيه وحاول تنفيذها، إلا أنه لم ينه تمامًا كتب الفقه المالكي [71] ، حتى ليروى أنه قال للشيخ ابن الجد، الذي ذكرنا أخذ أبي العباس العلم عنه، في إحدى مناقشاته معه حول الفقه:"يا أبا بكر ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى كتاب سنن أبي داود - وكان عن يمينه، أو السيف" [72] .
أما الخليفة الثالث يعقوب فقد نفذ رغبة أبيه وجده، وأمر بإحراق كتب مذهب مالك، ويقول شاهد عيان:"لقد شهدت منها - أي تلك الكتب - وأنا يومئذ بمدينة فاس ما يؤتى منها بالأحمال، فتوضع ويطلق فيها النار" [73] .
كما أنه أمر بترك الإشتغال بالرأي والخوض فيه، وتوعد بمعاقبة المخالفين [74] . ويبدو أن هذا كله دفع بالكثير من طلاب المعرفة عن سبيل دراسة الفروع الفقهية، ومن ثم التوجه إلى القرآن والسنة، أما انسجامًا مع التيار الرسمي الذي له بعض ما يبرره لتفشي الخلافات، كل ذلك في مدة شباب أبي العباس نفسه، الذي توجه للحديث والظاهر أكثر من الرأي والقياس بحكم أحد السببين المذكورين ككثيرين غيره. أما أولئك الذين لم ينسجموا مع الاتجاه الرسمي فقد نالتهم يد العقاب، ومنهم ابن زرقون نفسه، شيخ أبي العباس بن الرومية، حيث أنه كما يقول اليافعي (ت 768هـ/ 1366م) :"كان من كبار المتعصبين للمذهب فأوذي من جهة بني عبد المؤمن - الموحدين - لما ابطلوا القياس والزموا الناس الأخذ بالأثر والظاهر" [75] .