إلا أن دراسة أبي العباس للفقه المالكي كانت أكثر تركيزًا وأطول أمدًا مع شيخ آخر من شيوخ عصره المبرزين في المذهب المالكي، المتبحرين فيه، وهو محمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن زرقون (538 - 621هـ/ 1143 - 1224م) وكان ممن سكن إشبيلية ونسب إليها [63] . ومن هنا كانت فرصة أبي العباس في ملازمته والأخذ عنه مدة طويلة من الزمن [64] . وقد عرف عن هذا الشيخ أنه كان حافظًا مبرزًا، شديد التعصب للمذهب المالكي منافحًا عنه، إلا أنه لم يكن له بصر بالحديث بإعترافه هو [65] . ورغم أنه قد أشير إلى طول ملازمة أبي العباس له، إلا أن أيًا من مصادرنا لم يحدد طول تلك المدة ولا زمن إنتهائها، إذا أننا نعلم بأن أبا العباس ترك أستاذه لينحاز إلى المذهب الظاهري، مذهب ابن حزم الأندلسي [66] ، نائيا عن اتجاه أستاذه الذي يبدو من عنوان أحد مؤلفاته، وهو (المعلى في الرد على المحلى والمجلى لابن حزم) [67] ، بأنه كان ناقدًا للمذهب الظاهري ولابن حزم، ومع مرور الوقت ازداد إنحياز أبي العباس بن الرومية إلى المذهب الأخير [68] . وليس لدينا ما يبرر هذا الإنعطاف الجذري وهذا الإنفصال من قبل التلميذ عن أستاذه، فالمصادر القديمة ساكتةً تمامًا عنه، إلا أن هناك أمورًا تتعلق بتوجيهات السلطات الرسمية في الناحية الدينية مما يمكن أن يسهم في إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع. فمنذ تأريخ ولادة أبي العباس، بل وقبله بقليل، كان الموحدون قد بدأوا بالتأكيد على ضرورة العودة إلى الأصول في استخلاص الأحكام الفقهية، وترك الإجتهادات والفروع القائمة على القياس والرأي ضمن المذهب المالكي، وهو المذهب المعروف شيوعه في الأندلس والمغرب، بل كانت تلك الرغبة من قبل الموحدين صارمة جدًا أحيانًا، من ذلك انه في سنة (550هـ/ 1155م) أمر الخليفة الموحدي الأول، بإحراق كتب الفقه ورد الناس إلى كتب الحديث لإستنباط الأحكام [69] . ورغم أن ذلك لم يتم فإنه دونما شك أثر في توجه الدراسات