وقد امتن الله - عز وجل - في القرآن الكريم على عباده بنعمة العقل في غير ما موضع، منبِّهًا إياهم على ضرورة شكر هذه النعمة بوضعها في محلها، وإعمالها في مجالها، فإن مِن أهم مظاهر شكر النعمة أن توضع في محلها اللائق بها، والذي لأجله منح الله الإنسان إياها، وسياقات القرآن الكريم المنبهة على هذه المنحة الربانية مرتبطة دائمًا بالإشارة إلى حسن توظيف هذه الملَكات، وذمِّ مَن عطل هذه المَلَكات؛ فلم يستخدمها، أو لم يُحسِن استخدامها؛ فاستخدمها في غير موضعها، أو قصرها في حدود الظواهر الكونية، المرتبطة بنفعه الذاتي المباشر دون الربط بين معطياتها والبناء عليها في البحث عن الحقيقة الكبرى؛ حقيقة الوجود كله؛ يقول - تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 78 - 79] ، {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] ، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 46] ، {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] ، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ