وإن النقطة الثالثة تخبرنا عن تغيير يحدثه الإنسان داخل ذاته. فأي نوع من التغيير هذا؟ هل تغيير من الخير إلى الشر أو العكس، أو إنه من الممكن أن يكون أيا منهما؟ إن التفسير الغالب لتلك الآية الآن هو التفسير الأخير، وإن ما يفهمه معظم الناس الآن من تلك الآية هو أنه عندما يتغير الناس من الخير إلى الشر، يعاقبهم الله بتغيير أحوالهم من الخير إلى الشر والعكس بالعكس. ولكن ذلك يختلف عن التفسير الذي نجده في التعليقات القديمة؛ فإن المعلقين الأقدمين يبدو أنهم يفهمون أن التغيير الذي يشار إليه في الآية هو تغيير من الخير إلى الشر [2] ويبدو لي أن هذا هو التفسير السليم؛ لأنه الوحيد الذي يتوافق مع المبدأ الإسلامي الرئيس ولأنه قد تم تأييده بآيات أخرى كثيرة.
-وإن النقطة الرابعة تقول لنا أنه عندما يتغير قوم، ويعاقبهم الله بأن يحرمهم من بعض النِّعَم الرُّوحية والمادية التي منحها لهم وهكذا يجعلهم يعانون الضِّيق.
النِّعَم فضل من عند الله:
ولكن لماذا أُفَضِّل التفسير القائل بأن التغيير الذي ذكرناه في الآية هو تغيير من الخير إلى الشر؟
إن السبب في ذلك يرجع بصفة رئيسة إلى أن النعم - طبقًا للقرآن - لا تمنح للناس في بادئ الأمر نتيجة لأي عمل خير يقومون به، ولكنها تمنح لهم فضلاً من الله. إن الله هو الرحمن، وذلك يعني أنه سبحانه هو الذي يبادر بالخير ويمنحه دون مقابل ولا ينتظر حتى يبادر الناس بفعل شيء يتسم بالخير ثم يكافئهم من أجله. إن النعم - سواء كانت روحية أم مادية - تمنح للناس من خالقهم وذلك ينبع من رحمته وفضله. ولو أنهم كانوا شاكرين، فسوف تُحفظ لهم تلك النعم، بل إنها سوف تزداد، ولكن لو أنهم ارتكبوا أفعالاً تتسم بالجحود، فإن الله يعاقبهم بأن يحرمهم من بعض تلك النعم إن لم يكن منها جميعها، ولكنهم إذا تابوا وعادوا إلى الطريق القويم فإن تلك النعم تعود إليهم.