يبدو أن تحصيل أبي العباس لمادة العلمين المذكورين جاء متزامنًا، أي أن إهتمامه في التحصيل لم ينصرف إلى أحدهما أولًا ثم إلى الآخر بعده، بل كان كلما واتته الفرصة تابع هذا العلم، فإذا ما حالفته الفرصة لجمع أطراف العلم الثاني في الوقت نفسه عاناه وجمعه، فهو تارة يجمع علم النبات، وينتقل بين المدن والريف مشاهدًا للأعشاب على الطبيعة فإذا ما حل في إحدى الأماكن أو المدن ممن اشتهر بعض محدثيها لازمهم واستجازهم وحدث عنهم. ومن هنا فإن تحصيله للعلم يجب تتبعه على هذا الأساس وليس من خلال فصله عن بعضه.
لقد بدأ أبو العباس في تكوين نفسه ثقافيًا في بلاده الأندلس، فاتصل بشيوخ عصره فيها، وقد عدَّد هو لنا مجموعة منهم كأبي البركات عبدالرحمن بن داود الزيزاري وابن عربي وابن الجد وآخرين [49] . وربما كان أشهر هؤلاء الذين أخذ عنهم العلم هو محمد بن عبدالله بن الجد الفهري (ت 586هـ/ 1190م) وهو ابن مدينته إشبيلية، الذي كان فقهيًا متبحرًا، وقد قيل عنه أنه انتهت إليه الرياسة في الحفظ والفتيا مما زاد من مكانته لدى حكام عصره فاستشاروه وكان كما قيل (( فقيه الأندلس، وحافظ المغرب لمذهب مالك غير مُدافع ولا مُنازع، لا يداينه أحد في ذلك ولا يجاريه.. ) ) [50] . وقد تنقل أبو العباس بين مدن الأندلس الإسلامية الأخرى يستمع الحديث ويحصل الإجازات عن الشيوخ، والإشارة إلى أنه ذهب إلى قرطبة لهذا الغرض واضحة [51] ، أما غرناطة (( فقد دخلها غير ما مرّة لسماع الحديث وتحقيق النبات، ونقر عن عيون النبات بجبالها ) ) [52] ، وكذلك فعل في بقية المدن، ويتبدى أثر تجواله في مدى سعة إطلاعه على نباتات الأندلس من خلال ما ورد من إشارات فيما تبقى من نصوص كتابه (الرحلة) [53] إلى إقليم الشرف في ظاهر إشبيلية [54] ، وجبل شلير (سيرانيفادا) عند غرناطة [55] ، ومدن جيان ورندة وجبالها [56] ، وجبال غلزا شرقي الأندلس [57] .