وعلى الرغم من صحة هذا القول من حيث اتفاق العلمين في منهج تحصيلهما وضبطهما، إلا انه ليس هذا هو تمامًا ما حدا بابن الرومية إلى الجمع بين هذين العلمين والتبريز فيهما دون سائر العلوم، بل هي ظروف أبي العباس الخاصة وظروف بلاد الأندلس والمغرب في وقته، فعلمه بالأعشاب والنباتات تأتى له بتوارث المهنة عن أبيه وجده، وكانت الصيدلة حرفة له ومصدر عيش [46] فهي لم تأت اتفاقًا أو عرضًا. أما دراسته للحديث والإنكباب على ضبطه وحفظه فقد تأتى من تقدم علم الحديث في عصره على ما سواه من علوم الدين بعد القرآن الكريم، دون غيرها من العلوم الدينية أو النقلية بحكم سببين رئيسيين. أولهما، أن الشيوخ في عصره اتجهوا إلى قراءة القرآن والسنة لأنهم وجدوا فيهما عزاءً عما صارت إليه البلاد نتيجة استقواء الممالك المسيحية الشمالية، فكانت السنة كالخيط يربطهم إلى أجيال الإسلام الأولى، ومن هنا الإهتمام بالسند في الحديث، ذلك الخيط المتصل بالرسول صلى الله عليه وسلم [47] . أما السبب الثاني: فهو ذلك الإتجاه الرسمي الذي تنامى بعد سيطرة الموحدين على الأندلس والقائم على رد الناس إلى القرآن أولًا ثم كتب الحديث، أي العودة إلى الأصول وترك فروع الفقه وإختلافات مسائله ونبذها [48] كما سيتضح لنا مع مسيرة البحث. وهكذا هيأت الظروف وجهة أبي العباس في تحصيل العلمين المذكورين.