أما إلى الشرق من الشمال الإفريقي، فمصر وبلاد الشام والحجاز واليمن، فإنها كلها كانت تحت حكم الأيوبيين، صلاح الدين (ت 589هـ/ 1193م) وخلفاؤه. فمنذ أن نجح صلاح الدين الأيوبي في إنهاء الدولة الفاطمية في مصر (567هـ/ 1171م) وإعلان ولائها للخلافة العباسية في بغداد [11] ، فإنه سعى ضمن جهود حثيثة إلى توحيد تلك البلاد في جبهة واحدة تصدى بها للكيانات الصليبية التي كانت قد تأسست في بلاد الشام منذ نهاية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي إثر الحملة الصليبية الأولى عليها، فتمكن من دحر الصليبيين الفرنجة في معركة حطين (583هـ/ 1187م) واسترد منهم بيت المقدس في السنة نفسها فضلًا عن معاقل أخرى كانت بأيديهم، كما تمكن من كبح جماح الحملة الصليبية الثالثة (585 - 588هـ/ 1189 - 1192م) وأفشل أهدافها الرامية إلى إعادة إحتلال بيت المقدس وسواه مما تم تحريره [12] . وقد خلف صلاح الدين أولًا بعض أبنائه ثم أخوه الملك العادل أبو بكر (596 - 615هـ/ 1199 - 1218م) [13] ، الذي وصل في عهده أبو العباس ابن الرومية في رحلته إلى مصر وبلاد الشام، فالتقى به ورافقه مدة من الزمن في القاهرة سنة (613 - 614هـ/ 1216 - 1217م) [14] . ثم خلف العادل أبناؤه وكلهم سعى إلى الجهاد ضد الصليبيين [15] . وقد تميز عهد الأيوبيين في تلك البلاد، بعد حركة الجهاد ضد الصليبيين، برعاية العلم والعلماء ودعوتهم للقدوم إلى تلك البلاد لإعمار مدارسها ودور حديثها التي أكثروا من إنشائها في جميع المدن المهمة بحيث غدت مراكز إستقطاب علمية وثقافية لمفكري العصر ومثقفيه من أنحاء العالم الإسلامي كافة [16] ، وقد عرف الأندلسيون ذلك وأشار إليه منذ مدة مبكرة أحد أشهر رحالتهم، ابن جبير [17] ، وهو ممن التقى بابن الرومية في الإسكندرية عند وصوله إليها في رحلته سنة (613/ 1216م) [18] وممن كان قد دعا الأندلسيين والمغاربة منذ أن كتب رحلته (بعد 581هـ/ 1185م) للإرتحال إلى المشرق