وكان ابن عباس يُثني عليه وهو مسندٌ له، فلما انتهى من ثنائه قال عمر:"ألْصِقْ خدِّي بالأرض يا عبدالله بن عمر. قال ابن عباس: فوضعتُه من فَخِذِي على ساقي؛ فقال: ألْصِقْ خدِّي بالأرض! فوضعتُه حتى وضع لحيته وخدَّه بالأرض؛ فقال: ويلكَ عمرُ إن لم يغفر الله لكَ" [19] .
قال عبدالله بن عامر بن ربيعة:"رأيتُ عمرَ أخذ تِبْنَةً منَ الأرض؛ فقال: ليتني كنتُ هذه التِّبْنَة، ليتني لم أُخْلَقْ، ليت أمِّي لم تلدني، ليتني لم أكُ شيئًا، ليتني كنتُ نَسْيًا منسيًّا" [20] .
فلما مات - رضيَ الله عنه - قال عليٌّ:"ما على الأرض أحدٌ ألقى الله بصحيفته أحبّ إليَّ من هذا المسجَّى بينكم" [21] .
وصلَّى عليه صُهَيْبٌ الرُّومي في مسجد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودُفِنَ بجانب صاحبَيْه؛ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأبي بكر - رضيَ الله عنه [22] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثَّانية
الحمد لله، حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَنِ اهتدى بهداهم إلى يوم الدِّين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه؛ فإن الأيام تمضي، والأعمار تَنْقُص، وما يكاد عامٌ يبتدي إلاَّ وينتهي، وكلُّ يومٍ يمضي يباعدنا عن الدنيا، ويقرِّبنا منَ القبر والآخِرة، وما الإنسان إلا أيامٌ هي أيام عمره.