فهرس الكتاب

الصفحة 17025 من 19127

فجاء الطبيب، فسقى عمرَ نبيذًا، فخرج من جرحه، ثم سقاه لبنًا، فخرج من جرحه؛ فعرف أنه الموت؛ فقال:"الآن لو أنَّ لي الدنيا كلَّها، لافتديتُ به من هول المُطَّلع" [13] .

فجعل النَّاس يُثْنونَ عليه، ويذكرون أعماله العظيمة في الإسلام؛ فكان يجيبهم فيقول:"إن المغرور من تغرُّونه" [14] .

وجاءه شابٌّ فقال:"أبْشِر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لكَ من صحبة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقدم في الإسلام ما قد عملت، ثم وُلِّيتَ فعَدَلْتَ، ثم شَهَادَةٌ. قال: وددت أن ذلك كفافٌ، لا عليَّ ولا لي. فلما أدبر، إذا إزاره يمسُّ الأرض؛ فقال: ردُّوا عليَّ الغلام. قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك؛ فإنه أبقى لثوبكَ، وأتقى لربِّك" [15] . قال ابن مسعود:"يرحم الله عمر، لم يمنعه ما كان فيه من قول الحقِّ" [16] .

وأرسل ابنه عبدالله إلى عائشة، قال:"انطلق إلى عائشة أمِّ المؤمنين؛ فقُلْ: يقرأ عليكِ عمرُ السَّلامَ - ولا تَقُلْ: أميرَ المؤمنين، فإنِّي لست اليوم للمؤمنين أميرًا - وقُلْ: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدْفَنَ مع صاحبَيْه" [17] ، وإنما قال ذلك لئلاَّ تفهم عائشة أنه أمرٌ، وهو الإمام؛ فطاعته واجبةٌ، فترك لها الخيار، وطلب منها هذا الطلب على سبيل الرَّجاء، وليس على سبيل الأمر.

فسلَّم عبد الله بن عمر واستأذن على عائشة، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال:"يقرأ عليكِ عمر بن الخطاب السَّلام، ويستأذن أن يُدْفَن مع صاحبَيْه. فقالت: كنتُ أريده لنفسي، ولأوثرنَّه به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبدالله بن عمر قد جاء. قال: ارفعوني. فأسنده ابن عباس إليه، فقال: ما لديكَ؟ قال: الذي تحبُّ يا أمير المؤمنين، أَذِنَتْ. قال: الحمد لله، ما كان من شيءٍ أهمّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحملوني؛ ثم سلِّم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أَذِنَتْ لي فأدخلوني، وإن ردَّتني ردُّوني إلى مقابر المسلمين" [18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت