وبعد أن يأخذ من كُلّ طرف من هذه المعلومات نصيبَه الكافي، يولي وجهه شطر حلقات الدرس بالمساجد العامّة، والمعاهد الجامعة، والمدارس الخاصة؛ فيقوم من حلقة الفقيه إلى حلقة المحدِّث، ومن مجلس اللُّغوي إلى سارية النَّسَّابة، ومن حضرة الأخباريِّ إلى دارة المتكلم، ومن معهد المنطقي إلى مَجْمَعِ الفلسفيِّ، ومن مَحْفِل الأديب إلى قاعة المهندس، ومن بين يَدَيِ المفسِّر إلى حظيرة الأصوليِّ، ومن غرفة الراوية إلى بيت الشاعر، ومن ديوان الكاتب إلى صاحب النجوم، ومن الأُسْطُرْلابيِّ إلى الجغرافيِّ، ومن مشهَد الموسيقار إلى مقعد المُغَنِّي، ومن عند المزمار إلى دكَّانة الوتَّار. الصبيان والبنات في ذلك سواء، وإن كانت الغالبية في الصبيان دون أخواتهم. حتى السجون، فقد كان لأهلها حظٌّ مِنَ التعليم، وكان لهم معلِّمون يدخلون إليهم في أوقات معيَّنة"."
وقد تلقى الجاحظ علومه على شيوخ البصرة والكوفة، وممَّنْ أخذ عنهم علومه الأصمعيُّ، وأبو زيد الأنصاريُّ، وأبو الحسن الأخفشُ، وممن تلقَّى عليه العلم المبرِّدُ صاحب"الكامل".
ويقال: إنَّه كان وهو في دور الطلب يعاني الاتجار في الخبز والسمك بسَيْحَانَ (نهرٌ بالبصرة) ، وسواءٌ صَحَّ هذا الخبر أم لم يصحَّ، فقد درج الجاحظ في بُحْبُوبة من اليسر والرخاء، واتسعت موارد رزقه... فلا عجب أن يعلو على أمثاله فضلاً وفَهْمًا، وأن يُقدِّم للغة العربية هذه المصنفاتِ التي وضعها في كل ضرب من ضروب العلم، وفنٍّ من فنون الآداب على كثرتها وجليل شأنها. فإنَّ العطايا واللُّهى [1] تفتح اللَّها، على شريطة الاستعداد الفطري والكفاية الظاهرة (ملخصًا من الفصل الرابع) ، وقد أشار مصطفى صادق الرافعي إلى ذلك في مقالته عن شوقي في هذا الجزء.