والمنهج لا يحتاج إلى إعادة شرح؛ فإن استدلال الشيخ بالكتاب والسُّنة من الوضوح بحيث يكاد يختفي هو نفسه وراء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يستنبطها، كل ما فعله هو أنه يذكرنا بها؛ إذ قدمها لنا في صورة نسق متكامل، يتناول الإنسان: نفسه وإرادته ومصيره وما يسعده وما يشقيه، ولا يكتفي بالتفسير؛ بل يحرك الإنسان بتذكيره بالوعد والوعيد، ويحذر من المهالك على طريق الحياة، مبيِّنًا صلة الاعتقادات بالأعمال، ودور العبادات في إصلاح النفس، وكيف تحقق السعادة والطمأنينة النفسية، وإصلاح المجتمع بتطبيق شريعة الله، يظهر الصبغة العملية الواضحة في الإسلام: أنه دين (حركي ارتقائي) ، يصعد بالإنسان قدمًا؛ ليصل إلى مرتبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
نقده للفكر الفلسفي [2] :
تنبَّه شيخ الإسلام إلى عجز الفكر الفلسفي عن تحقيق السعادة للإنسان في حياته الراهنة، فضلاً عن الحياة الآخرة، وأظهر ما يتضمَّنه الكتاب والسُّنة من نصوص عن الإنسان وماهيته، وسعيه الحثيث إلى تحقيق المنافع والملذَّات، واجتنابه ما يجلب الأضرار والآلام.
وكان ابن تيميَّة معارضًا لآراء الفلاسفة العمليَّة الأخلاقية أيضًا، وخلاصة المآخذ التي وجَّهَها إلى الفلاسفة اليونان - ومَن تبعهم من المسلمين - أن ما ذكروه من العمل لا يخضع لقواعد ملزمة، وإنما متعلق بالندب، أي اختيارًا لا إلزامًا، كما أنهم لم يثبتوا خاصية للنفس، وهي محبة الله تعالى وتوحيده؛ بل لم يعرفوا كمال تلك النفس، أضف إلى ذلك أن علمهم بالله تعالى قليل، مشتمل على كثير من الباطل، بينما يتحقق كمال النفس في العلم والإرادة معًا؛ العلم بالله تعالى وإرادة مرضاته، وابتغاء وجهه عز وجل.
إنه بهذا التحليل لا يوجه نقده للفكر الفلسفي اليوناني فحسب؛ بل للفكر الفلسفي عامة؛ لأن ظواهر القصور في هذا الفكر ما زالت قائمة، ويسجلها الباحثون والكُتَّاب، ويلحظها الفلاسفة الغربيون أنفسهم.