وهنا لا بد من الموازنة. لا بد من التفسيرات المنطقية -ويكون من الأم أو الأب- لحال الأب حين يغيب عن البيت، فيقال: إنه في سبيل الله وتطلق الكلمة على جملتها؛ إذ الطفل صغيرًا لا يفهم المعاني المجردة أو تفسر له بأنه في رحلةٍ لطلب الأجر من الله. وحين يهان أمام أطفاله فيقال: إن هذا من تبعات الدعوة إلى الله {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [ لقمان: 17] .
والمطلوب هو السيطرة على مشاعر الطفل بحيث لا يجمح إلى انتقام ولا يجنح إلى سلبية وانهزام ومن ثَمَّ إلى خروج عن الصراط المستقيم أو ابتعاد عنه.
فلا تشكو الأم أمام أطفالها -أو الأب الداعية- ضيقَ الرزق وأنهم يعيشون على الصدقة، ويمدون أيديهم للناس؛ لأن المعاناة التي يسمعها من أمه سيكون لها وقع كبير على نفسيته باعتباره طفلا صغيرا لا يتحمل بسهولة أن يرى أمه تبكي.. أو تقبل صدقة فيشعر بمهانة آخِذِ الصدقة ومن يعيش عليها..
فقد تعطي الشكاية للابن مسوغًا للسلبية والانسحاب من طريق الدعوة إلى الله أو الحقد والجموح.
وغالبا ما يكون اتجاه التربية بعد أي محنة شديدة هو اتجاه الآباء إلي الابتعاد بالأبناء عن مشاكل الدعوة وأخطارها، مكتفين بعملهم ظنا منهم أن ما كان منهم سيرفع عن أبنائهم واجب الدعوة إلى دين الله، وهو اتجاه خاطئ وجزاؤه عند الله أن يحرم الآباء من قرة أعينهم بأبنائهم الذين بخلوا بهم على الدعوة.
والمطلوب من الأب -أو الأم عند غيابه- تعزيز معنى الاستعلاء بالإيمان عند الطفل، وتعزيز معنى استقلالية المسئولية، وأن مسئولية الأطفال ليست تابعة لآبائهم، ولكنها مسئولية مستقلة سيسأل عنها وحده أمام الله مما يجعله قادرًا علي مواجهة مثل هذه المواقف الخطيرة مثلما كان من فاطمة رضي الله عنها.