ولا يستطيع المستشرقون - أو غيرهم - أن ينزعوا العلم من صدور الناس، كما لا يستطيعون إبعاد سلطان الدين عن النفوس إلا بتقويض الأعمدة الثلاثة للثقافة. فنحن ندرك أن التحول لا يكون سريعًا، ولكن العلم يتضاءل من الصدور، فيكثر الخلط والجهل، وتهتز الثقة، فيكون البحث عن البديل فيخرج في الأمة من يتمثل فيه ذلك، فيدعو إلى نبذ الماضي، وإعادة التشكيل الثقافي وفق النمط الغربي، والتقليل من قيمة الميراث الثقافي أو قراءته بأبجدية النسق الغربي [25] وإن لم يكن ذلك ممكنًا فلا بأس من الانتقاء من التراث الديني والأدبي والثقافي نقاطًا تهز الثقة، مرت عبر التاريخ الحافل بكل شيء حسن في معظمه، سيء في بعض مواضع منه، ولا بأس من وأد اللغة الأم وجعلها مقصورة على المعابد، وجعل لغات أخرى هي لغة المعاهد، فالفرنسية في المغرب، والانجليزية في المشرق، وربما الروسية بينهما، حتى تصل لغة المعابد إلى مستوى غير مفهومة فيه، خاضعة للترديد دون إدراك للمعنى مع إدخال اللهجات فيها حتى يتم إحلالها محلها، فتتفكك الرابطة، ويصبح العربي في بلاده وأهله غريب اليد واللسان، وإن لم يكن غريب الوجه، ويصبح لزامًا عليه أن يسير مع الركب وإلا صدقت عليه إدعاءات التخلف والرجعية، والتقوقع على الذات دون الإفادة من الثقافات الأخرى المحيطة بالمجتمع المسلم قديمه وحديثه. فأدى الخوف من الوصم بالتخلف والرجعية والتقوقع إلى أن يتبنى بعض أبناء المسلمين الثقافات الغربية عليهم وعلى مجتمعهم، واستدعى هذا التبني محاولة الانسلاخ من الماضي بإهانته والتقليل من شأنه وحصر آثاره على الوقت الذي ظهرت فيه هذه الآثار دون امتداد إلى المستقبل مما يستدعي - في نظر هؤلاء المنبهرين بالثقافة الغربية - السير في (( ثقافة عالمية ) )قادمة من الغرب أو من الشرق.
وتلك ربما تكون نتيجة من نتائج إبعاد سلطان الدين من النفوس التي تأتي نتيجة من نتائج الفعل الاستشراقي.