صادف إذ ذاك قاضي الخَرْج -الخرج إذا أُطلق في ذلك الوقت المراد به الدِّلَم وما حولها، الذي يرأسه الشيخ عبدالعزيز بن باز، والخرج الآن الموجود يسمونه السَّيْح، لأنه عيون تسيح، وليس قرية، وإنما نخيل، وللملك فيه قصر، ويذهب له الملك بعض الأحيان- فصادف أن أُقيل الشيخ سالم الحناكي رحمه الله من الخرج، فلم أشعر إلا قد بعث لي إبراهيم الشايقي رحمه الله وكان هو من كبار رجال الديوان، وهو المعني بالمشايخ وشؤونهم مع الملك، فأرسل لي الشايقي، وقال: بكرة الساعة الثانية غروبي -بعد طلوع الشمس الضحى- تحضر هنا. فحضرت، فلما دخلت عليه في مجلسه، سلمت عليه، أجلسني وقام بأمر الملك، فسريعاً جاء واحد من الخدام، وقال لي: ابن عقيل؟ ومسك يدي، وأدخلني على الملك، ما في المجلس أحد إلا أربعة أو خمسة بعيدون عن الملك، باعدهم، فسلمت عليه، ففحصني بعينه، ناظرني، وقال: الأمر خير إن شاء الله، نبغيك تصير قاضي عند قصري في السيح بالخرج، فقلت: السهباء؟ فلفت نظره، وقال: لا... لا.. لا، السهباء بعيدة عندكم، السيح جنب قصري، جنب قصري.
فقلت له: يا طويل العمر أنا ما بعد بلغت مبلغ القضاء، خلوني أقرأ عند الشيخ محمد بن إبراهيم أدرس، وإذا بلغت المبلغ أنا بالسمع والطاعة. فالتفت إليّ ثانية، وقال: محمد بن إبراهيم؟! هذا تراه أخوي وولدي، شاوره ولا تخرج عن رأيه. قال: الشيخ محمد بن إبراهيم أخ لي وابن لي، وشاوره ولا تخرج عن رأيه، تعال يا إبراهيم الشايقي امش مع الأخ، وخلصوه.
فذهبت مع إبراهيم الشايقي وقلت له: ما أستطيع القضاء، أنا أبغي أدرس مع محمد بن إبراهيم! فضحك الشايقي، وقال: الذي دبّر هذا الأمر هو محمد بن إبراهيم، هو الذي عيّنك!