وبين هذين الموقفين كان أخذ ورد، وهجوم ودفاع، وتكريم وتشهير، حتى تخطى الإنتاج الفكري في هذا المجال ألفي عمل بين كتاب ومقالة ومحاضرة وحديث في المجلات الثقافية السيارة في اللغة العربي فقط [10] ولم يتفق المثقفون العرب (والكاتبون بالعربية من غير العرب) على تحديد موقف إزاء هذه الظاهرة، فكان أن أوصلها البعض إلى علم له نظريته ومنهجه، وله وصفه وأهدافه وغاياته، وأوقفها البعض عند مجرد الظاهرة المؤثرة في المجتمع المسلم المثقف وغير المثقف، مثلها في هذا مثل التنصير والاستعمار، فجعلها معولًا من معاول الهدم وجناحًا من أجنحة المكر [11] ولم يتفق المثقفون العرب (والكاتبون بالعربية من غير العرب) على تعريف لمفهوم الاستشراق، كما لم يتفقوا على بداياته الأولى. فهناك أربعة مفهومات حول الاستشراق تبدأ من المفهوم الأعم إلى المفهوم الأخص، كما أن هناك أكثر من اثنى عشر رأيًا حول انطلاقة الاستشراق وبداياته.
فالتعريف الأعم للاستشراق هو دراسة الشرق، ثقافاته ومعتقداته وآدابه وعاداته وتقاليده وأساطيره وتاريخه من قبل علماء ومؤسسات غربية [12] وبين الأعم والأخص عام وخاص. والتعريف الأخص - عندي - هو دراسة العلوم الإسلامية وآداب المسلمين وعقائدهم وثقافاتهم وتراثهم وأساطيرهم من علماء غير مسلمين ومؤسسات غير مسلمة. وواضح أن هذا التعريف الأخص يخرج أولئك الذين يدرسون ثقافات شرقية غير إسلامية، كما يدخل أولئك العرب غير المسلمين ممن لهم إسهامات مباشرة في علوم المسلمين. ومثل هذا التعريف يحدث شيئًا من اللبس ناتج عن غموض فكرة الاستشراق.