فهرس الكتاب

الصفحة 1600 من 19127

وفي الإعصار الأخير رصدت المراصد سيره، وراقب الخبراء حركته، ولا يقدرون له دفعا ولا تخفيفا ولا تحويلا، إنْ هم إلا متربصون ينتظرون وصوله، ويدوكون في آثاره، ويخلون المدن من ساكنيها لأجله، ويهرب الناس من طريقه تاركين أموالهم ومراكبهم ومساكنهم وما تحويه من نفيس أثاثهم ومتاعهم، قد رخصت في تلك الساعة العصيبة فلم تساو شيئا، وحق للناس أن يهربوا من جند الله تعالى، فمن ذا الذي يطيق عذابه. وعند هذه الإجراءات والاحترازات تتوقف قدرة البشر وطاقتهم على ما بلغته علومهم ومعارفهم، فيضرب الإعصار ما أمر بضربه من المدن، ويدمر ما يدمر، ويقتل من حانت ساعته، ولا تسل حينئذ عن المدن وقد غمرتها المياه، وحدث ما حدث فيها من خراب.

وقد نُقل للناس ما خلفه هذا الإعصار من بعض الدمار، ورأوا السيارات كأنها أكوام حجارة قد حملت فألقي بعضها فوق بعض، واخترق بعضها الجدران، فولجت إلى البيوت، فإذا ما جاوزهم الإعصار أحصوا خسائرهم، ودفنوا موتاهم، رحم الله تعالى المؤمنين منهم، وخلف على الخاسرين ما خسروا، ومن ثم يعود من سلم إلى مسكنه لينظر ما أصابه، ويصلح خرابه.

ومن لم يصلهم الإعصار يترقبون وصوله، ويصدرون التعليمات في إثر التعليمات لمن كانوا بطريقه، ويلهجون بالدعاء والتضرع، وهذا غاية ما يفعلون، ونهاية ما يقدرون، فسبحان الله القوي القاهر، وما أعجز البشر! وما أقل حيلتهم أمام جند الرحمن جل جلاله!

إنها عبرة يا عباد الله وأي عبرة تدل على عجزنا وضعفنا واستكانتنا، كما تدل على قدرة الله تعالى علينا، وعلى حاجتنا إليه وغناه سبحانه عنا، فلماذا الاستكبار عن طاعة الله تعالى؟ ولماذا العصيان؟ ولماذا الغرور بمنجزات البشر ومخترعاتهم وهي لم تغن عنهم من عذاب الله تعالى شيئا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت