لكن كيف علمهم؟ أعلمهم بالسوط والسيف؟ أعلمهم بالحبس والسجن؟ أعلمهم بالحديد والنار؟ .. لا والله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ، لو كنت سفاكا ما اجتمعت عليك القلوب، لو كنت قتالا نهابا ما أحبتك الأفئدة، لكن كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] ، {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] ، {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .
أتيت أيها المصطفى إلى العرب الذين يتقاتلون من أجل مورد الشاة ومربط الناقة، فأتيت بالخلق .. بالبسمة .. باللين .. بالرفق .. بالنصيحة، فانقادت لك القلوب، فحررتها من وثنيتها ومن شركياتها، وقدتها إلى الله.
إن الدعاة الذين يحاولون اليوم أن يُصلحوا بالتجريح والعنف، وبالتعريض بالناس، وبالحملات العشوائية على بعض العلماء الذين لهم زلات انغمرت في بحار حسناتهم .. هؤلاء لا يفقهون .. هؤلاء لا يعلمون .. هؤلاء يفسدون أكثر مما يصلحون، وسوف يعلمون النتيجة.
يرسل الله موسى وهارون إلى فرعون السفّاك، فرعون المجرم، ثم يقول لهما سبحانه: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] . قال سفيان الثوري - كما في تفسير ابن كثير:"القول اللين: كنِّياه أي ناديه بالكنية، وكنيته أبو مُرّة - مرر الله وجهه في النار - فأخذ موسى يقول: يا أبا مرة، إذا أسلمت أنعم الله عليك بملكك وصحتك وشبابك".