والشمس والبدر شاهدا الليل والنهار، فبماذا نصَحا الشاعرَ، وما الحِكَم التي زوَّداه بها:
قالا: اتَّخِذ مِن يَقينٍ سابِغٍ وَزَراً واطْوِ المَخاوِفَ في صَبرٍ وإِقدامِ
وفَوِّضِ الأَمرَ للرَّحمنِ في ثقةٍ ولُذْ بهِ، فهوَ نِعْمَ العَونُ والحامِي
إذَن تَفوزَ وتَغدو كلُّ داهِيةٍ أَشجَتكَ حِيناً سَراباً بينَ آكامِ
ويُصبحُ العُمرُ أَمناً لا يُكَدِّرُهُ سَطوُ المَخاوِفِ مِن ناسٍ وأَوهامِ
والفوز هو الغاية التي يسعى إليها الشاعر، وهي غايةٌ مشروعة {فمَن زُحزِحَ عن النارِ وأُدخِلَ الجنَّةَ فقد فاز} ، لذلك نجده يكرِّر عبارة (إذن تفوز) في قصيدة أُخرى بعنوان (زُلفى) ، مبشراً نفسه إذا التزمت الخطَّة الحكيمة في منهجها في الحياة، يقول الشاعر وقد اتخذ مشيبه صديقاً نصوحاً حين جاء إليه بالنذير:
وأَبصَرتُ المَشيبَ فقال هَمساً وجَهراً: إنَّ في بُرديَّ حَتفا
أنا بُشراكَ إن أَحسَنتَ صُنعاً وإلا فالنذيرُ يَمورُ عَصفا
فقُلتُ: أُريدُ نُصحَكَ يا صَديقِي فمَحِّضْنِيهِ مثلَ النُّورِ شَفّا
فقال: تَوَخَّ نَهجَ الحَقِّ أَنَّى مَضَيتَ وكُن بهِ شَهماً وعَفّا
ويأخذ الشاعر الأمر بجدٍّ بالغ، ويحشد تفكيره كلَّه، فيقول:
حَشَدتُّ خَواطِري وهَتَفتُ فِيهِ رَضِيتُ، فَطابَ بي قَلباً وطَرْفا
وقالَ: إذن تفوزَ! فقُلتُ: بَهْراً سَتَلقاني الفَتى إنْ قالَ أَوفى
وهذا منه كقول طَرَفَة:
إذا القَومُ قالوا مَن فَتىً خِلتُ أَنَّني عُنيتُ فلم أَكسَل ولم أَتبَلَّدِ
فالمقصود صفاتُ الفتوَّة عند العرب من الوفاء والمروءة والنجدة والترفُّع عن الدنايا، وليس المرحلةَ العمرية التي تجاوزها الشاعر إلى الشيخوخة إذ يقول:
وللسَّبعينَ أَدنو مِن ذُراها مَواجِعُها تَبدَّى أو تَخَفَّى