ويبدو الشاعر في حواره للعام الجديد مُستعطفاً غارقاً في حَيرته من الغد المجهول، نازفاً بالأسى والألم من حال الأمَّة، فيقول:
بَيدَ أنَّا أيُّها العامُ الذي جاءنا يَعدو بِما حَيَّرَنا
لم يَزَل فِينا رجاءٌ واعِدٌ أنْ تُواتِينا وقَد أَفرَحتَنا!
ويخيَّل إليَّ الشاعر مادّاً يديه إلى العام الجديد بلونه الرمادي البائس كسابقاته يخاطبه، والعام يرنو إليه صامتاً، فيمضي دون أن يجيب، ويفهم الشاعر دلالة السكوت، والصمت حكمة وقليل فاعله! فيقاوم اليأس الذي يحاول اختراقه، فيقول:
أيُّها العامُ الذي نَرنو له مِثلَما جاءَ إلينا ورَنا
قُل لِمَن ظَنَّ بأنَّا أُمَّةٌ أَوشَكَت تَغرَقُ في لُجِّ الفَنا
نحنُ لا نَفنى فإنَّا أُمَّةٌ لم تزَل جَذوَتُها مِلءَ الدُّنى
الإنسان والحياة:
وقد يقف الشاعر مع الزمن في غير ما مناسبة، فيلحظ سرعة تصرُّمه وتقلُّبه بين الأفراح والآلام، فيقول في قصيدة (إذن تفوز) :
أَبصَرتُ في العُمر أَفراحِي كآلامِي مُهراً سريعَ الخُطا يَعدو بأيَّامِي
هَذي تُخادِعُني والحُسن فِتنتُها وتِلكَ تشتَدُّ في جَرْحِي وإِسقامِي
وَجَدتُّ نَفسي مَضى عُمري إزاءَهُما كأنه بعضُ يومٍ لاهثٍ ظامِ
ونلحظ هنا الهم الذاتيَّ المسيطر على الشاعر، وتعابيره المبنية على ضمير المتكلم المفرد، فالشاعر في صراع مرير مع الزمن، فهو لايكاد يلتقط أنفاسه لاهثاً ظامياً، وإن نسب ذلك إلى العمر، لأن عمر الإنسان هو ذاته، إذ لا إنسان بلا عمر!!
ويُتابع الشاعر عرض مأساته مع الزمن فيقول:
إذا صَحَوتُ منَ الأَوهامِ تَأسِرُني عادَت لِتَجعَلَني في سِجنِها الدَّامِي
فَهِيَ الأَعادِي وإنْ أَبدَت بَشاشَتَها وسَهمُها سَهمُ بادي الكُرهِ غَشَّامِ
وفي البحث عن مخرج نجاةٍ من الهلاك المحدق من سهام الأوهام الأعداء يسأل الشاعر الشمسَ والبدر:
وكيفَ أَنجو؟! سألتُ الشمسَ طالعةً والبدرَ يَحبو الدُّنى من نُورِهِ الهامِي