فهرس الكتاب

الصفحة 15334 من 19127

ولكن ما معنى قوله: (رأيتُ الجبنَ قبلَ الموتِ مَوتا) ؟! وهل يُذم الجبن قبل الموت، ويُمدح بعده؟ أوهل بعد الموت جبنٌ حتى يكون له ظَرف قبله؟ أعتقد أن الشاعر لا يقصد القبليَّةَ مقابل البعدية، وإنما أراد بما قبل الموت الحياة، فهو يريد أن يقول: رأيت الجبن في الحياة موتاً، ولكنه استخدم بدل كلمة (الحياة) المتوهِّجة بالمعاني الإيجابية المشرقة كلمة (قبل الموت) ، وهي تعبير مُنطفئ، فجعل التضادَّ بطباق السلب بدل الإيجاب.

وأمر آخر يستوقفنا، إذ جعل (الجبن) في الحياة (موتا) ، ولا شكَّ في أنه يذمُّ الجبن، ولازمه أنه يذمُّ الموت، بل الموت المشبَّه به أشد ذمّاً، مع أننا علمنا أن الشاعرَ في قصيدته (صداقة) أضفى على الموت كلَّ الصفات الحسنة واتخذه صديقاً نديماً، فهل يجد (القالي) مَطعناً ليقول للشاعر: أنت مخطئ في أحد الأمرين؛ اتخاذ الموت صديقاً، أو تشبيه الجبن بالموت!! وإذا صحَّ الأمران عند الشاعر يكون الجبن صديقاً له غيرَ مذموم!! ولعل الشاعر يُخرجنا من هذه الإشكالية الفلسفية.

ونعود إلى القصيدة لنرى أن الشاعر يتحدَّث عن دواعي الجبن في حياة الإنسان، فيقول:

وفي الدنيا نقائضُ واعِظاتٌ تَبينُ وتَختَفي أنَّى نَظَرتا

أَلِفناها لكَثرتِها فصارَت نديمَ حياتِنا جَهراً وصَمتا

فنَسكُنُها وتَسكُنُنا كأنَّا بها الأضيافُ مُصطافاً ومَشتى

تَأَمَّلها ستَلقاها صَديقاً وجِيراناً لنا، وأنا، وأنتا

فالأشياء التي يُشير إليها الشاعر مجملاً غير مفصِّل، هي الأمور التي تثير القلق عند الإنسان، فينفخ فيه الوهم، فيتولَّد الجبن في داخله، فإذا هو يذل ويخضع، ولو تأمَّل تلك الأمورَ لوجدها قريبة منه صديقة له، فهم الجيرانُ وأنا وأنت!!

ونجد هنا إلحاحَ الصداقة على الشاعر مرة أخرى، وهي حالة قلقٍ لديه؛ إذ يجد في الأشياء المجهولة أصدقاء لم يجد مثلها فيمن ظنَّ صداقتهم من الناس!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت