فهرس الكتاب

الصفحة 15333 من 19127

ومع اليقين أن هذه الرؤيةَ الحكيمة في المال أصيلةٌ لدى الشاعر؛ لأن غديرَه من سيل نهر الشريعة الغرَّاء، نجده يلتقي بنصوص معلومةٍ لدى شُعراء الحكمة في تراثنا الشعريِّ قبل الإسلام وبعده مثل زهير بن أبي سلمى في قوله:

ومَن يَكُ ذا فَضلٍ فيبخَلْ بفَضلِهِ على قَومِه يُستَغنَ عنه ويُذمَمِ

وحاتِم الطائي في قصائده العديدة التي يحاور فيها زوجتَه ماوية التي كانت تحاولُ ثَنيه عن البذل، فيقول لها:

أماوِيَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائِحُ ويَبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ

والمتنبي في قوله - وهو ماثلٌ لدى الشاعر دائماً-:

لولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كلُّهُمُ الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ

الإنسان والجبن:

الجبن صفة ذميمة، بخلاف الخوف الذي وصف الله سبحانه به ملائكته المقرَّبين {يخافونَ رَبَّهُم مِن فَوقِهِم} ، ووصف به عبادَه المؤمنين {يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفاً وطَمَعاً} ، لذلك يعالج الشاعر صفة الجبن لدى الإنسان معالجةً حكيمة، ويعبِّر عن مفهومه له، وفلسفته فيه.

فالجبن في نظر الشاعر يفعلُ بالإنسان ما تفعله العواملُ الطبيعية في الصخر الصلد من الحتِّ حتى يتأَكَّل ويضعف ثم ينهار، فيقول:

رأيتُ الجبنَ قبلَ الموتِ مَوتا يَحُتُّ المرءَ -إذ يَرضاهُ- حَتّا

ويَترُكُه رِماماً بالياتٍ تَعيثُ بها الرِّياحُ وهُنَّ شَتَّى

تُبعثِرُها ولا باكٍ عليها ومَن يَبكي منَ الأَقذاءِ بَحتا

تَجنَّبهُ الوَرى سُخطاً وهُزءاً وبَتَّ حِبالَهُ الأصحابُ بَتّا

ويُبصِرهُ فيَمقُته أَخوهُ فإن لامُوهُ فيهِ ازدادَ مَقتا

صورة كئيبة كريهة للجبان يرسمها الشاعر منبوذا يجرُّ أسماله الممزَّقة وكأنه صار كالسامِريِّ الذي يقول: {لا مَساس} !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت