أيَحْسَبُ الأستاذ أنَّ الأسلوب هو الكلام المرصوف، وأنَّ الخصائص هي انتهاء كل جملة من هذا الكلام بلفظَيْن متقاربَيْن في الجَرْسِ متَّفقَيْنِ في القافية؟
إنه لا يقول هذه الجُملة إلا مَنْ وقع إليه سَجْعُ الكُهَّان في"حَلْقاتهم الدينيَّةِ"كما يقول، فدَرَسَهُ وميَّزَهُ وَحَدَّه، ووضع له مطلعًا ومقطعًا وغَرَضًا، ثم دَرَسَ القرآن وعرف مثل ذلك فيه، وقارن، ثم ألقى ووضع، وأخذ وردَّ، ونفى وأثبت.
كيف يقول المؤلف ذلك وهو الذي يقول في (ص 4) :"ولا يجوز عِلْمِيًّا أن نتَّكِل على رِوايتها فقط - أي أَسْجَاعِ الكُهَّان - في الحُكم على ما كان عليه هذا النثر".
وقد أتى المؤلف في (ص 6) بما يدلُّ على بُطلان الأصل الذي يبني عليه كلامه هذا من معنى السجع، فقد نقل عن الجاحظ:"وقد كانتِ الخُطباءُ تَتَكَلَّم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في الخُطَب أسجاعٌ كثيرةٌ، فلم يَنْهَوْا أحدًا منهم؛"فهذا دليلٌ على أنَّ سَجْع الكُهَّان غير السَّجْع الذي يقع في كلام الناس أو يتعمَّدونه للزُّخْرُف والزينة، ولولا ذلك لكان الخلفاء الراشدون قد نَهَوْا عن ذلك كما يقول الجاحظ.
فلو أنَّ المؤلِّف وقف قليلاً عند هذه الكلمة؛ لتبيَّن له أنَّ كلمة السجع قد وقع في معناها الخَلْط والخَبْط بين أقوال الكُهَّان والكلام المزوَّر المزوَّق بالقافية الموسيقية، ولاجتهد بعد ذلك أن يُفَرِّق بين معنى الكلمة عند علماء البلاغة ومعناها الذي وردت له في قولهم: (سَجْع الكُهَّان) ، ولَوَجَدَ أنَّ مقارنة سَجْعِ الكُهَّان بالتنْزيل القرآني - كما يُسَمِّيهِ - من أعظَمِ الخَلْط بين المتضادَّيْنِ.