فهرس الكتاب

الصفحة 15258 من 19127

فمن أوَّل ذلك كلامُه عنِ السَّجْع، ومقارنة سَجْعَ الجاهلية بآيات القرآن؛ فإن المؤلف لم يأتِ فيه إلا بالشُّبَه التي تَوَرَّطَ فيها الناسُ من قديمٍ إلى يومنا هذا؛ كَقَوْلِهِمْ - في تحريم السَّجْعِ: لِما رُوِي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الغُرَّة، وقوله للرَّجل الذي قال: أَأَدِي مَنْ لا شَرِبَ ولا أَكَلْ، ولا صاح فاسْتَهَلّ، ومثل ذلك يُطَلّ؟! فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"أسَجْعًا كسَجْع الكُهَّان؟!"، ثم جاء الجاحظ بعد ذلك، ووضع عِلَّة لتحريم السَّجْع: إن الكُهَّانَ كانوا يَتَكَهَّنون ويحكمون بالأسجاع، فوقع النهي في ذلك لقُرْبِ عهد العرب بالجاهلية، ولبقيَّتها في صدور كثيرٍ منهم، فلما زالت العلَّة هذه؛ زال التَّحريم.

وكنتُ أحسَبُ أنَّ المؤلِّف سينظر في خصائص سجع الكهان نفسِهِ؛ ليستخرِجَ منه الفرقَ بينه وبين السجع المعروف عنِ البُلغاء، ثم بينَه وبينَ القرآن؛ فإنَّ هذا هو موضع الفصل في الكلام الذي دار حول السَّجْع، وهو موضع التحقيق في العلم المرويِّ الذي وقع إلينا ولم نحقِّق فيه إلا القليل.

وأَكتَفِي هُنا بأن أقول: إنَّ سَجْع الكهَّان اسمٌ لِما وَقَعَ في ألفاظ الكُهَّان على صورة صامتة، وهو غير السجع الذي عَرَفَهُ عُلماء البلاغة ووضعوا له الحدود والرسوم، وسنُفرِد لهذا البحث كلمةً خاصةً في"المقتطف"إن شاء الله.

ومِنْ عجيب ما وقع للمؤلف في هذا الفصل قوله (ص 5) : ويؤيِّد ما يراه من شُيوع السجع في تلك الحلقات (الدينية في الجاهلية) أن التنزيل القرآنيَّ"على تعاليه عن أقوال العرب وكُهَّانهم - لم يخرج عنِ الأُسلوب الذي عرفه الناس يومئذٍ".

كيف يتَّفق للمؤلِّف أن يقول إن القرآن (لم يخرج عن هذا الأسلوب) وهو لا يعرف هذا الأسلوب ولم يُحِطْ بخصائصه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت