فهرس الكتاب

الصفحة 1511 من 19127

وكان اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - بمعناه الواسع فقد نظروا في دلالة النصوص وقاسوا واستحسنوا إلى غير ذلك من العمل بالأمارات وقرائن الأحوال، إلا أنهم كانوا يطلقون كلمة الرأي على ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب فيما تتعارض فيه الأمارات.

وإذ هم يستعملون الرأي بمعناه الواسع لم يكونوا ليطلقوا على أضرب الاجتهاد مصطلحاته الأصولية التي عرفت فيما بعد، كالاستحسان، والمصالح المرسلة، والقياس بأنواعه، وقاعدة سد الذرائع، وعموم البلوى ونحو ذلك.

وقد كان الاجتهاد في هذا العصر - كما أشرنا - مقصورًا على استنباط الأحكام لما هو واقع دون أن يلجؤوا إلى الافتراضات. فلم يكونوا يفترضون مسائل لم تقع ثم يبحثون عن حكمها كما سيأتي فيمن بعدهم.

وقد رُوي عن بعض الصحابة نهيُ الناس عن الخوض فيما لم يقع، ومن ذلك ما رُوي عن زيد بن ثابت [2] - رضي الله عنه - أنه كان إذا استُفتِي في مسألة سأل عنها، فإن قيل له وقعت أفتى فيها وإن قيل له لم تقع قال: دعها حتى تكون، ويروى مثل ذلك عن عمر - رضي الله عنه - [3] .

ب - أسباب ترك الصحابة الافتراض في الأحكام:

لم يترك الصحابة - رضي الله عنهم - افتراض المسائل وتقدير أحكامها لأنهم منصرفون عن ذلك بجهاد أو غيره. إذ العلم من الجهاد بل من أعظم الجهاد وإذا دعت الحاجة إليه فلا ينبغي أن يشغل عنه شاغل، ولكن حقيقة تركهم تعود إلى أمرين هامين:

أحدهما:

أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يسلك هذا المسلك وهو المدرسة المعصومة التي تخرج فيها هؤلاء الصفوة.

ولو سلك التشريع هذا المسلك - أعني الافتراض - لنتج عنه محذورات ثلاثة:

المحذور الأول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت