فهرس الكتاب

الصفحة 1499 من 19127

فلما جاؤوا - وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله - سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحدٍ من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك! كنَّا قومًا أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل المَيْتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منَّا الضعيف، فكنَّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منَّا، نعرف نَسَبَه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كنَّا نعبد نحن وآباؤنا منَ الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة.

قالت: فعدَّد عليه أمور الإسلام؛ فصدَّقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به منَ الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرَّم علينا وأحللنا ما أحلَّ لنا. فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلَّ الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيَّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلادكَ، واخترناكَ على مَنْ سواك، ورغِبنا في جواركَ. رجونا أن لا نظلم عندكَ أيها الملك.

قالت: فقال النجاشيُّ: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه، قالت: فقرأ عليه صدرًا من {كهيعص} [مريم: 1] . قالت: فبكى والله النجاشيُّ حتى اخضلَّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أَخْضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم.

ثم قال النجاشيُّ: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مِشكاةٍ واحدة. انطلِقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يُكادون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت