فهرس الكتاب

الصفحة 1486 من 19127

إن غياب هذا الغذاء النفسي هو ما أفسد على الحالة المدروسة شهية الأكل فالطفل يمتص الحليب من ثدي أمه ثم يتقيؤه لعدم شعوره بالعطف والحنان المصاحبان لعملية الإرضاع البيولوجي، وحرمانه العاطفي هذا ناجم عن التوتر النفسي الذي عانته الأم من جراء المشكلات التي عاشتها في علاقتها بالأب.

إن كثرة المشاعر السلبية التي تلقاها الطفل من أمه، جعلته لا يكتفي بتفريغ هذه الانفعالات عبر الاضطرابات الغذائية (التقيؤ) بل تجاوزها إلى تعابير نفسيةٍ عضويةٍ أخرى وهي اضطرابات النوم مما يدل على أنه كان يشعر بالفقدان التام للطمأنينة والسكينة النفسية في ظل أجواء أسرية ملبدة بغيوم المشكلات الزوجية.

بعد انفصال الوالدين عانى الطفل نوعًا آخر من الحرمان لمدة ثمان سنوات وهو افتقاده لأمه بسبب غيابها عن البيت وتركيزها على كسب لقمة العيش وهذا ما يفسر لماذا كان أ. م يتناول الأغذية بشراهة غير عادية، فحسب الدراسات النفسية المنجزة حول موضوع الاضطرابات الغذائية تبين أن الطفل يملأ بطنه بالأكل ليعوض الشعور المؤلم بالفراغ العاطفي الذي يعانيه، وهذا ما يوضح العلةَ في الاختيار اللاشعوري للاضطرابات الغذائية كوسيلة للتعبير عن توتراته النفسية لارتباطها بالفم وهو مصدر إشباع الحاجات البيولوجية بامتياز في مرحلة طفولته الأولى التي ذاق فيها أقصى مظاهر الحرمان وهو رضيع.

يتجلى مما سبق أيضًا السرُّ في عدم تخلص الطفل من عادة مص الإصبع على الرغم من بلوغه سن الثالثة عشر لأن تعاقب مظاهر الحرمان التي عاشها دون أن يفهمها أدى إلى تراكم هذه التجارِب المؤلمة لتشكل حواجز نفسية منعته تحقيقَ نموه النفسي بالموازاة مع نموه الجسمي لذلك كان أكثرَ قربًا من التعبير بلغة جسدية سطحية وأكثرَ بعدًا عن تفريغ انفعالاته في قالب لغوي منطوق يساعده على فهم معاناته وبالتالي تجاوزها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت