وقد أعطَتْ حركة علماء النفس الإنساني، وتصورها للإنسان، أعطت دَفعة قوية للعلاج السلوكي الحديث في اتجاه فهم عمليات الضبط أو التوجيه الذاتي من خلال مفاهيم نظرية التعلم ذاتها، التي كانت في شكلها التقليدي ترفض مثل هذه المفاهيم من قبل؛ لعدم اتساقها مع منطق النظرية السلوكية، القائم على تصور السلوك كمحصلة للشروط البيئية الخارجية، بالشكل الذي وجدناه بها عند"بافلوف"و"سكينر"، ولعل هذا ما يعبر عنه"باندورا"Bandura رئيس جمعية علم النفس الأمريكية السابق، بوضوح في هذه العبارة:
"تمر النظرية السلوكية في الوقت الحالي بتغيرات حاسمة، فمنذ سنواتٍ اقْتَصَر تصوّر علماء النفس السلوكي للإنسان على أنَّه كائن يستجيب أساسًا للتغيّرات البيئية، التي تشكل آليًا أفعاله وتحكمها؛ لكن نظرة متفحّصة للإنسان تبين أنه أكثر فاعلية، وأن تأثيرات البيئة لا تتم بشكل آلي؛ فالتغيرات التي كان من المعتقد أنَّها تؤثّر في السلوك بشكل آلي، يكون تأثيرها في الحقيقة محدودًا ما لم يدعمها وعي الإنسان بها...".
"إن السلوك يخلق - جزئيًّا - البيئة [4] بمقدار ما تؤثر البيئة في ظهور وإبراز السلوك، ولهذا فمن المهم أن نحلل كيفية تشكيل الإنسان للشروط البيئية التي تحكمه، بنفس القدر من الاهتمام الذي نوليه لدور البيئة، والشروط المختلفة التي تحكم ظهور سلوك معين".
"إن من أهم الخصائص التي تميز الإنسان أنه يستطيع خلق تأثيرات في ذاته، نابعة من ذاته ومن توجيهه الذاتي لسلوكه، ومن خلال دوره كمؤثر وموضوع للتأثير في نفس الوقت يمتلك الإنسان قوة رئيسة في توجيه ذاته" [5] .
لعلَّ مغزَى عبارة"باندورا"واضح للقارئ: أن حياة الإنسان تتوجه ذاتيًّا وبأغراض خاصة، دون أن ينفي ذلك وجود قوانين سببية تضعها البيئة بشروطها الخاصة، ودون تعارض بينهما.