يحلو لبعض المصوبين أن يستبق إظهار الخطأ. وقد يندفع بعضهم الآخر إلى تلمُّس الأخطاء، والحكم على الأساليب بالضعف معتمدًا على ما يجد في نفسه من اطلاع ومن معرفة باللغة من غير أن يراجع مرجعًا أو يتبع قاعدة لغوية. وهذا التسابق، وتلك العجلة تورثان الضلال في القصد، وتوقعان في سوء التدبير اللغوي.
أذكر أن أستاذًا كان يعرف العربية والإنكليزية. وكان يُملي نصًّا في حياة أديب، وعرضت له في أثناء الإملاء جملة (وَقضَى من عمره أربعين ربيعًا) فوقف عليها معلقًا ثم قال: (أربعين ربيعًا!) ممّا لم تعرفه العربية، وهو من الإنجليزية، فقلت له: إن مثل هذا التركيب موجود في لغتنا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعين خريفًا) [8] .
وأُستاذ آخر كان مولعًا بالمنع والتصويب أنكر لفظ (العاديّ) في الاستعمال؛ لأنه المنسوب إلى (عاد) من الأُمم القديمة، يقال للشيء القديم: عاديّ. فقال مستمع حضر مجلسه هذا صحيح، ولكن كيف تنسب إلى (العادة) كما تنسب إلى (البصرة) وشبهها؟ ألا نقول: بصريّ عاديّ؟ فكان هذا الاعتراض مفيدًا للأُستاذ.
وإن تعجب فعجب أن يصير هذا المذهب همّ أناس؛ فإذا دعوا مثلاً إلى ندوة لمناقشة كتاب في العربية، أو تكلموا في مؤتمر بعدوا عن الموضوع الرئيس لقلة زادهم فيه وقصروا كلامهم على (قل ولا تقل) . واجتهدوا في التخطيء، وصوبوا سهامهم متعجلين إلى نصوص أعدت للنقاش، والمستمعون بين عالم يربأ بنفسه عن الرد لئلا يضيع الوقت، ويخرج عن الهدف، ومستمع غير مختص باللغة يندهش من عجيب الأخطاء، وغريب الهفوات، فيمتلئ بالشك في قدرة من تناقش دراسته.
وقل مثل هذا في مناقشة الرسائل الجامعية للشهادات العالية حين ينقلب الأستاذ المناقش مصوبًا للأساليب، مخطئًا للتراكيب، تاركًا الأُصول، موحيًا للجالسين بكثرة علمه وعلو فهمه.
الأمر السابع - الفهم السليم وحسن الإدراك: