ولا أريد أن يفهم من هذا الكلام أني أدعو إلى التساهل في التجاوز بالألفاظ إلى مدلولات اعتباطية من غير تقيد بالقواعد، سيرًا في موكب دعوة التقليد الأعمى لمدارس الغرب في الغموض والرمز السفساف.
الأمر الخامس - الاعتدال في قبول الشاهد أو رفضه:
يقرُّ بعض المعترضين على الأساليب أحيانًا بورود مثلها قديمًا، ولكنه لا يعتدُّ به دليلاً على جوازها لقلته، ثم يكتفي بذكر شاهد واحد يتشبث به في دعواه، ويتخذ من القلة وسيلة إلى القول بالخطأ. وربما يكون هذا الشاهد هو أغرب ما في الباب، وقد توجد شواهد لا يذكرها.
نعم قد يكون هذا مفيدًا لو تعلق الأمر ببنية الكلمة، وبقواعد الإعراب وعلاماته، إذ يفضي القياس على الشاهد الضعيف الفرد إلى التفريع والتشعيب وضياع القاعدة الإعرابية المطّردة. فبات والحال هذه تجاوز الشاذ والنادر، وتجنب القياس عليهما في حدود المعقول مفيدًا.
أما ما يتعلق بدلالة اللفظ، وتركيب العبارة، وأُسلوب التعبير فأرى التريث الشديد في حمل مسائله على الخطأ، لأنه لا يدخل في الفاحش من الخطأ. وأريد به الخطأ النحوي، والخطأ في الأبنية والغلو في استعمال اللفظ العجمي.
ويتصل بهذا الأمر تحكيم بعض من أُولع بالتصويب اللغوي الذوق دون الشاهد؛ فهذا القول جائز عنده لأنه يناسب الذوق مع الدليل ويمتنع من التعبير بسبب ضعف هذه المناسبة حتى لو كان شاهدًا عربيًا، وهذا المذهب في المنع من غير الجنوح إلى الشاهد قبل كلّ شيء مخالف لقانون السماع، فالصواب هو الصواب، والمتذوق من يختار من الصواب ما يطابق مقتضى الحال بعد تجاوز الخطأ.
الأمر السادس: التأني في القول بالخطأ والتحقيق الدقيق: