الأمر الرابع - معرفة قوانين البلاغة وفن القول:
قد يأتي الاعتراض على الصحيح من قلة المعرفة بتنوع الأساليب في أداء المعنى الواحد. فقد يتوخى المنشئ لكلامه الجمال فيزينه بزينة المجاز، ويستعير له ثياب البلاغة، ويرفعه مكانًا يكلُّ دونه بصر الناقد، فيمنع استعمال ألفاظه التي جازت إلى تلك المعاني الدقيقة.
وهذا جهل قديم دفع المصابين به إلى تسديد سهامهم نحو الشعراء والأُدباء حين جهلوا أسرار البيان العربي.
إن ملاحظة الجانب البلاغي يجنب أهل التصحيح اللغوي الوقوع في المزلقات؛ إذ مالهم بد من أن يحسبوا لتغير دلالة اللفظ، وتقلب الكلمة بين معناها الحقيقي ومدلولات مجازية حسابه في الاستعمال.
ولهذا الجانب عند علماء العربية اهتمام واسع، إذ انتهوا، عند أول العهد بالتأليف إلى توسع العرب في استعمال الكلمة لأكثر من معنى، فقسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز.
والمجاز عندهم هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له في أصل اللغة لعلاقة بين الوضعين.
ثم ذهبوا يحققون في هذه العلاقات التي سوغت ذلك التوسع، وثبتوها في مصنفاتهم.
وحتى الحقيقة تقسم إلى: الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية، والحقيقة العرفية. ويختلف اللفظ في كلِّ واحدة عنه في الأخرى.
إنَّ هذه الصفات التي جُبلت عليها العربية مكّنتها من الاتساع، ودَعَم ذلك طابع المرونة الذي انمازت به، فكانت أهلاً لأن تستوعب العلوم والفنون والمعارف، وتنفتح على الأدب، وتتسع لأدق الأفكار غير منطوية على نفسها.
وأحسن جمع من اللغويين والبلاغيين بعدما عرفوا هذا الأمر فدرسوا الألفاظ على أساس دلالتها المجازية، أو اتساع استعمالها لتحقيق الأغراض الشرعية والعلمية وغيرها. وفي الرجوع إلى معجم (أساس البلاغة) لجار الله الزمخشري ت538هـ و (المصباح المنير) لأحمد الفيُّومي ت770هـ وكتب المجازات ما ينور القارئ، ويزيد من يفيد.