وإذا كان علماء اللغة الأقدمون الآخذون الفصاحة من منابعها أو قريب منها لم يسلموا من المؤاخذة والغفلة من الاستقراء التام فيما حكموا عليه بالخطأ، فما بالك بمن بعُد من هذه الموارد، وأخذ بقسط من كلام العرب قليل؟.
قال أبو الفتح بن جني ت393هـ: (قال أبو حاتم [1] : كان الأصمعي [2] ينكر"زوجة"ويقول: إنّما هي"زوج".
ويحتج بقول الله تعالى:"أمسك عليك زوجك" [الأحزاب 37] . قال: فأنشدته قول ذي الرمَّة [3] :
أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: ذو الرمة طالما أكل الملح والبقل في حوانيت البقالين [4] . وتبقى كلمة"زوجة"فارضة وجودها. ولا أرى إثبات تائها إلا رافعًا للّبس في مواطن. منها على سبيل المثال مراسلات الدعاوي الفضائية، والمراسلات الأُسرية الرسمية، وغيرها.
ومثل"زوجة"ألفاظ أُخرى كثيرة، وأساليب أنكرها العلماء ومنعوا استعمالها [5] .
ومثل الأصمعي لغويون تشبثوا بالفصيح، على زعمهم، حتى غلوا وتعسفوا. وهذا أبو محمد الحريري ت516هـ في (درة الغواص في أوهام الخواص) ينكر طائفة من الألفاظ، وقد كان شيء منها في الشعر الجاهلي، وشيء في الحديث الشريف [6] .
وإذا كان هؤلاء المتقدمون قد أخلُّوا في استقرائهم، فحملوا على الخطأ جمهرة من الألفاظ والتراكيب. بحجة أن العرب ما استعملتها، ثم تبين أن ما نبهوا على عدمه هو شيء من كلامهم يؤيده شعر ونثر.
وأقول: إذا كان ذلك، فهل يحق لأهل هذا العصر أن يسلكوا الطريق نفسه فيكتبوا"تصحيحًا"و"إصلاحًا"إلاّ بعد الاكتهال، وأنا أطلع على مقالات أهل التصحيح، إنهم يؤتون أحيانًا من جانب القصور عن العدة اللغوية، والتقصير في تلك الصفات.
ولذلك كان هذا المقال يهدف إلى وضع المعالم المفيدة في طريق أولئك لتعينهم على بلوغ الصواب، وهي تلخَّص في الأمور الآتية:
الأمر الأول - حسن النية وسلامة القصد: