وسار الزمن، وتوالت القرون ورجال التصحيح لا يألون نقداً للغة العلماء والأُدباء وسائر أرباب الفنون، واستجدت دوافع حفزتهم على ذلك؛ منها: رواج الترجمة إلى اللغة العربية، وكثرة الكتابة في الجرائد والمجلات، وسرعة النشر وتشعب سبله بعد ظهور الطباعة. وتهيأت فئة لانتشال الكتابة من الأساليب المستحدثة واللغات الضعيفة، والوقوف دون ظهورها على لغة الضاد. وبرز كتاب في مصر والشام، والعراق، والمغرب، وجهات أُخرى كتبوا مقالات، وألّفوا الكتب، وتحاوروا في الأنديات، وطلعوا على الناس بتأليفات تدور عنواناتها حول اللغة العربية. وتقويم الأساليب، مثل: (أخطاؤنا في الصحف والدواوين) ، و (إصلاح الفاسد من لغة الجرائد) ، و (مغالط الكتاب ومناهج الصواب) و (نحو وعي لغوي) و (عثرات اللسان) و (معجم الأخطاء الشائعة) و (لغة الجرائد) و (تذكرة الكتاب) و (الكتابة الصحيحة) و (قل ولا تقل) .
وكان لهؤلاء المتأخرين وأُولئك الأقدمين أثر واضح في كتّاب يرومون الآن تخليص اللغة من الشوائب، فراحوا يتداركون ما يرونه غلطًا في التراكيب، وأذاعوا آراءهم بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة. واعتادت الجرائد اليومية على تخصيص أعمدة تتضمن موضوعات في التوعية اللغوية ونقد الأساليب.
ونهدت أقسام اللغة العربية في الجامعات إلى نشر الوعي اللغوي، وجعلت له نصيبًا في المؤتمرات والندوات، والحلقات الدراسية.
فالحركة إذن نشطت في هذا العصر، وهانحن أولاء نجد مؤيديها وحاملي ألويتها تتنوع ثقافتهم الأدبية، وتختلف مشاربهم اللغوية، وتتقارب أساليبهم في البحث والاستقراء. فمنهم العارف باللغة المختص بها، ومنهم دون ذلك معرفة واختصاصًا وتمكنًا من التصويب والنقد، والحال هذه، في أن يرافق البحوث شيء من التزمت، والتشدد، والتقليد الضعيف، والصرامة في قبول الكلم، والخطأ في النقد، والتسرع في الأحكام، فينتج عنه ذبذبة واضطراب وتراجع عن الآراء أحيانًا.