ولتحصين هؤلاء من الوقوع في هذا الخطأ، جاءت النُّصوص الكثيرة التي تؤكد أولًا بَشريَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتحذير من وضعه فوق مكانةِ البشر.
ولتؤكِّد ثانيًا أنَّ الأصل في كلِّ ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم، وفي كلِّ خِطاب وُجِّه إليه العموم، فهو تشريع لكل المسلمين، ولذلك فإن كل ما صدر عنه صلى لله عليه وسلم لا يخرج عن وُسع الجميع من حيثُ القدرةُ الأصلية، نعم هو بلا شكٍّ صعب، لكنَّه ليس مستحيلًا.
والأحاديثُ التي تَنهى عن إطراء الحبيب صلى الله عليه وسلم، وعن كلِّ ما يَدور في هذا الإطار عديدة، ولست أرى أن سببَ هذه الكثرة والتشديد في النهي الحذرُ من الوقوع في الشِّرك وحسب، مع أهميَّته وخُطورته، ودخوله في النهي من باب الأولية، ولكنني أرى علَّة أخرى لا تقلُّ عن ذاك أهميَّة، قلَّ من نبَّه عليها، وهي المحافظةُ على النموذج من أن يدخل عليه ما يَقدح في صلاحيَّته للاقتداء.
وسأكتفي بمثالٍ واحد يبيِّن المقصود، ويدلِّل عليه:
ما الذي أغضبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟
لعل أغلبَ القُراء يعرفون حديثَ النفر الثلاثة الذين تقالُّوا عبادةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي وجدوها قليلةً، بعد أن أُخبروا عنها! وكيف أنَّ كلَّ واحدٍ منهم قرَّر أن يقوم بما يظنُّه قربةً إلى الله! وكيف أنَّه صلى الله عليه وسلم غضبَ عندما سمعَ ما حدث، وجمع الناسَ وأخبرهم الخبرَ، وصوَّب لهم التصوُّر، وختم قائلًا عليه الصلاة والسلام:"فمَنْ رَغِب عَن سُنَّتي فليسَ مِنِّي". (البخاري: ح 5063) .
كنتُ أقفُ كثيرًا عند هذا الحديث، وأعجَبُ من ردَّة فعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاضبة، ودعوته الناس للاجتماع، وإلقائه خطبة فيها بيانٌ واضحٌ هامٌّ! فلمَ كان هذا الغضب؟!
ولئلا أطيلَ في مناقشة الإجابات أكتفي بما أراه السببَ الرئيس في غضبه صلى الله عليه وسلم.