فهرس الكتاب

الصفحة 1340 من 19127

إنهم يرَوْن، بحسب تفكيرهم المحدود، أنَّ مصدرَ الرسالة يقتضي أن يُبلِّغها ويتمثَّلها جنسٌ راقٍ من المخلوقات لا يَحملُ ضعفَ البشر. وقد ردَّ اللهُ عليهم بقوله: {وما قدَروا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ إذْ قالوا ما أَنزَلَ اللهُ على بَشَرٍ مِن شَيءٍ..} (الأنعام: 91) . إنَّ من يُبْعِدُ أن يكون الرسولُ من البشر لم يُعظِّم اللهَ حقَّ التعظيم، إذ قدح في حكمته، وزعم أنَّ البشر لا يَصلحون لتبليغ رسالته، والله يعلم أنهم الأصلحُ لتبليغها ليتحقَّق النموذجُ والقدوة، ولِتتمَّ غايةُ بعثة الرسل.

وكلما كان الأقوام يَستنكِرون بشريَّةَ الرُّسل، كان الرّسل يردّون عليهم بتأكيد بشريتهم: {... قالوا إن أنتُم إلا بَشَرٌ مِثلُنا تُريدونَ أن تَصُدُّونا عمَّا كان يَعبُدُ آباؤنا فَأتُونا بسُلطان مُبين. قالت لَهُم رُسُلُهُم إنْ نحنُ إلا بَشَرٌ مِثلُكُم...} (إبراهيم: 10 ,11) .

لقد ردَّ القُرآن طلبهم قائلًا: {قُل لَو كانَ في الأَرضِ مَلائِكَةٌ يَمشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لنزَّلنا عَلَيهِم مَلَكًا رَسُولًا} (الإسراء: 95) .

هم يريدون توْعِير"النموذج القدوة"، ليضربوا بذلك أصل الرسالة، فلو أرسله ملكًا لقالوا: هو مَلكٌ ولا قدرةَ لنا على الاقتداء به! وإذ كان بشرًا قالوا: إنَّه بشرٌ وكيف يُرسِل اللهُ لحمل رسالته وتحقيقها في الأرض من تَكدَّر بنقص البشر؟! والآيات كثيرةٌ ولا مجال لسردها جميعًا، لكنَّها كلَّها تؤكد وجوبَ بشريةِ الرسول لأنَّها من حكمة الله عز وجل، لتحقيق غاية الرسالة من خلال"الرمز الإنسان"، الذي يستطيع كلُّ الناس أن يُقلِّدوه، وأن يهتدوا بهداه.

أما الأخرى: فهي تخصُّ من آمنَ بالرسول، ولم يستكثر أن يكونَ بشرًا من حيثُ المبدأ، كما كان مَنطقُ خصومِ الرسالة.

لكنَّ المشكلة هنا في أنَّ هذا المؤمنَ قد تختلُّ لديه موازينُ الاقتداء، مما يُشوِّش عنده صورة"النموذج"، فيحار كيف يتعامل معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت