وعلى أي حال فالواضح أنَّ صلاح الدين منذ تصدى ليكون رجل الجهاد أخذت حميته الدينيَّة في التَّصاعُدِ المتَّصل والمتكامل، ولم يكن عنده فرق بين الصلاة والجهاد، فكلاهما عبادة، وكلاهما فريضةٌ، وكلاهما مكرَّس لمرضاة الله. وابن شداد يروي في هذا السبيلِ العديدَ من القَصَصِ التي تكوّن في مجملها صورته (الصوفية) الخاصَّة: فهو يشهد بأنَّه:"كان كثيرَ الذّكر لِلَّه، وقد جمع له القُطْبُ النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه، وكان من شِدَّةِ حرصه عليها يُعَلّمها الصغار من أولاده حتى ترْسَخ في أذهانهم في الصغر، ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يقرؤونها من حِفْظِهم بَيْنَ يديه. وكان شديد المواظبة على الصلاة جماعة؛ حتَّى إِنَّه ذكر يومًا أنَّ له سِنِينَ ما صلَّى إلا جماعةً، وكان إنْ مَرِضَ يَستَدْعِي الإمام وحده، ويكلّف نفسه القيام ويصلّي جماعةً... وكانت له ركعاتٌ يُصَلّيها إذا استيقظ بوقتٍ من الليل... وإلاَّ أَتَى بِها قَبْلَ صلاةِ الصُّبْحِ... ولقد رأيته يصلي في مَرَضِه الَّذِي مات فيه قائمًا... وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل. ولم يكن يملك ما يوجب الزكاة. أمَّا الصّيام فكان عليه منه فوائتُ بِسبَبِ أمراض تَواتَرَتْ عليه في رمضانات متعددة، وبسبب الجهاد. وكان القاضي الفاضل قد تولَّى ثبت تلك الأيام، وشرع في قضاء تلك الفوائت في القدس في السنة التي توفي فيها، فكان يصوم وأنا أُثبِتُ؛ مع أنَّ الصوم لا يوافق مزاجه، وكان الطبيب يلومه وهو لا يسمع... وأمَّا الحجُّ فقد نواه في سنته الأخيرة وأمر بالتأهب له... وحالت المنية دون تحقيقه..." [23] .