"وكان مُبْغِضًا لِلفلاسفة والمعطّلة والدهرية، ومن يُعانِدُ الشَّريعة" [24] . وضمن هذا الإطار من الروح الدينية المتَّقدة، والحرص على سلامة العقيدة؛ يُمْكِنُ أن نَفْهَمَ أَمْرَهُ الذي أصدره لابْنِه الظَّاهر في حلب بِقَتْلِ شِهابِ الدين السهروردي (5 رجب سنة 587 هـ/ 29 يوليو 1191 م) . ونقف قليلاً عند مقتل هذا المتصوف عند نهاية هذا الفصل. على أنه كان بالمقابل:"يكرم مَن يَرِد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار، وكان يوصينا بأن لا نغفل عمَّن يَجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى نحضرهم عنده وينالوا إحسانه" [25] .
ويحب الصوفية ويقف لهم حين السماع والأذكار حتى ينتهوا منها.
ولا يقف تُقاه العميق عند الأمور الشخصية، ولكنه يمتد إلى الأمور العامة (كالعدل الداخلي والجهاد الخارجي) بِوصْفِها جزءًا من الدين وواجبًا إلهيًّا. فباعتبار أنَّ"الواليَ العادلَ ظِلّ اللَّه في الأرض"كان (صلاح الدين) يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يَحْضُرُه الفُقَهاء والقضاةُ والعُلماء، ويَفْتَحُ البَابَ لِلمُتَحاكِمِينَ حتَّى يَصِلَ إليْهِ كُلّ أحدٍ مِنْ كَبِيرٍ وصغير، وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفرًا وحضرًا؛ على أنَّه كان في جميع أزْمانِه قابلاً لجميع ما يُعْرَضُ عليْهِ من القصص، كاشفًا لما ينتهي إليه من المظالم. وكان يجمع القصص في كل يوم ويفتح باب العدل؛ ولم يَرُدَّ قاصدًا للحوادث والحكومات. وكان يجلس مع الكاتب ساعة إمَّا في اللَّيل أوْ فِي النَّهار، ويوقّع على كُلّ قِصَّة بِما يُطْلِقُ اللَّه على قلبه. ولم يَرُد منتحلاًً ولا طالب حاجة... وهو مع ذلك دائمُ الذّكْرِ والمواظبة على التّلاوة... ولقد رَأَيْتُه وَقَدِ اسْتَغَاثَ إليْهِ إنسانٌ من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه، فأنفذ إليه يحضره إلى مجلس الحكم... واتَّجهت اليمين على تقي الدين.