فهرس الكتاب

الصفحة 13340 من 19127

إنَّ وَحْدَةَ الشخصيَّة لدى صلاح الدين تقتضي أن نفهم أبعاد الإيديولوجية التي كانت تقود حياته، وأخلاقه التي ألمحنا بملامحها من قبل، هي الصورة الظاهرية له، أمَّا شخصيَّته الحقيقية والمتمّمة لهذه الملامح (والتي لا شكَّ أن هذه الملامح تنبع منها) فتنكشف بكلمة واحدة: في الإيمان، هنا يكمن قطب شخصيَّته. صورته في التحليل الأخير كانت صورة صوفي يرى أنَّ القرب من الله لا يكون في التأمّل، ولا في مجاهدة النفس، ولا في الفلسفة الميتافيزيقية (التي لا يفهمها) ، ولا في السماع والرقص الصوفي، ولا في الاعتزال عن الدنيا.. كان يرى - كما تدلّ أعماله - أن الإيمان يقتضي العمل، وأن العمل يعني الجهاد في إرضاء الله. إنَّها إيديولوجية مبسطة، شديدة الوضوح، ولكنه جعل منها - مع تكالُب الأمراض عليه - هدف الحياة الوحيد؛ فإذا هجر أولاده وبيته ليبيت في الخيام، وإذا ركب الخيل ثلاثين سنة في الجبهات، وإذا احتقر المال وبذله للناس، وإذا صَبَرَ على بلوى الأمراض، وهو مستغرِقٌ فِي الجهاد، وإذا بَكَى وهو ساجدٌ لِلَّه في الأزمات حتى بلَّل الدمع شيبتَهُ وسال على سجادته، فكل ذلك يندرج تحت كلمة الإيمان، الذي بلغ حدَّه الأقصى المسيْطِر عنده في السنوات العشر الأخيرة من حياته. لم تكن هذه الإيديولوجية الدينية كاملة الوضوح فيه من قبل، ولا كانتْ فِي الوَقْتِ نَفْسِه بنتَ ساعَتِها، ولكنَّها تكامَلَتْ في تَطَوُّرٍ طويل متَّصل في النصف الثاني من عمره، حين تمثَّل شخصيَّة نور الدين كبطل إسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت