وقد روى ابن شَدَّاد أمثلة عديدة على هذه المواقف؛ ومنها: أن صاحب أنطاكية بعد صُلحه معه سنة 558 هـ فاجأه عند باب خيمته في الطريق بين بيت المقدس ودمشق وطلب منه شيئًا، فأعطاه سهل العمق (وكان أخذه منه سنة 584 هـ) . ودخل عليه صاحب صيدا الصليبِي فاحترمه وأكرمه، وأَكَلَ مَعَهُ الطعام، وعرض عليه الإسلام وذكر له طرفًا من محاسنه. ومرَّ به سنة 584 هـ رجل عالم متصوّف، فتفرَّغ لِمُقابَلَتِه، ثُمَّ انْصَرَف الرجلُ مُسافِرًا دون أن يودّع صلاح الدين، فسأل عنه بعد ليالٍ، وقال: ما أكرمناه، وشدَّد النكير على ابن شداد لماذا لم يُخبره بسفره... فأعاد قاضي دمشق ذلك الرجل، فأمسكه عنده أيامًا، وخلع عليه وأعطاه مركبًا وثيابًا كثيرة له ولأهله وأتباعه وجيرانه، ونفقةً يرتفق بها!... وأدخلوا عليه مرَّة أسيرًا فرنجيًّا يَرْتَجِفُ من الرعب؛ فقال له: من أيّ شيء تخاف؟ فقال: كنت أخاف من أن أرى هذا الوجه، فلما رأيتُه اطمأنَّتْ نَفْسِي، فمنَّ عليه وأطلقه. وأضافَ ابْنُ شدَّاد: وكنتُ راكِبًا في خدمته مرة قُبالَةَ الفرنج، وقد وصل بعض اليزكية (طلائع الجيش) ومعه امرأة شديدة البكاء والتحرُّق تَطلُبُ الحُضورَ إِلَيْهِ، فعرف أنَّ بَعْضَ الجُنْد المسلمين اخْتَطَفُوا ابنتها، فرقَّ لها ودمعتْ عيناه، وأمر مَن ذَهَب إلى سُوق العسكر ليسأل عمَّنِ اشتراها، ويدفَعَ له ثَمَنَها ويستردَّها، وعاد الرجل بعد ساعة والصغيرة على كَتِفِه، فأعادَها لأُمِّها وهي تُعَفِّر وجْهَها في التُّراب، وترفع طرفها إلى السماء، ولا ندري ما تقول، وأرسل من أوصلها إلى عسكرهم" [20] ."