عاش صلاح الدين القسم الأوَّل من عمره، حتَّى السادسة والعشرين، دون عمل رسميٍّ تقريبًا، ولعلَّه كان أقربَ إلى الشابِّ اللاهي منه إلى صاحب المسؤوليَّة، ولم يُذكر له من عملٍ سوى السفارة بين دمشق وحلب، ولكنَّه قضى القسم الثاني من العمر في منتهى الإرهاق والعمل المتَّصِل، والتفكير بأمور السياسة، والجهاد، وحفظ الثغور، ومُكافَحَة الصليبيين، وإدارة الأمور الخارجيَّة والداخليَّة في دولةٍ اتَّسعت حتَّى اتَّصلت من ليبيا إلى اليَمَنِ إلى الشام وإلى الجزيرة العليا.
ونَجِدُه في سنواته الأخيرة وهو في أزمة"ساجدًا يبكي ودموعه تتقاطَرُ على شَيْبَتِهِ، ثم على سجادته"، وقد تكالبت عليه الأمراض: فالملاريا من جهة، والدمامل من وسطه إلى رُكْبَتَيْهِ؛ حتَّى لم يكن يستطيع الركوب، ولا الجُلوس لِلطعام من شدة المرض،"يمرض ويَصِحُّ وتَعْتَرِيهِ أحوال مَهُولة وهو صابر مرابط" [10] ،"وكان مع ذلك كلِّه يركب من بَكْرَةِ النهار إلى صلاة الظهر يطوف على الأطلاب، ومن العصر إلى صلاة المغرب وهو صابر على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل، وأنا أتعجَّب من ذلك، فيقول: إذا ركِبْتُ يزولُ عنِّي أَلَمُها حتى أنزل..." [11] .
مرض سنة 581 هـ، 1186 م مرضًا شديدًا وهو في كَفْر زمار في الجزيرة العليا، وبلغ غاية الضعف، وجاءه أخوه العادل من حلب ومعه الأَطِبَّاء، فاستغلَّ صاحب المَوْصِل الفرصة لِمُصالحته بعد أن كان يستنجد للخلاص منه، يقول ابن شَدَّاد:"وعلم أهالي الموصل سرعة انقياده، ورقة قلبه فنَدَبُونِي لهذا الأمر وبهاء الدين الربيب لهذا الأمر... فسِرْنا حتى أتينا العسكر والناس كلهم آيِسون من السلطان... فاحترمَنا احترامًا عظيمًا، وجلس لنا... ومات رحمه الله (بعد 12 سنة) وهو على هذا الصلح لم يتغيَّر عليه" [12] .