لقد كانتنظرة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أعمقَ وأبعدَ من نظرةِ عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- فالنفسُ البشريةُ لا تطيق ما عزم عليه عبد الله، والاستمرار في هذا الكم الهائل من العبادات يُعدُّ تجاوزاً لحدودِ الممكن في أحوالٍ كثيرةٍ، ولذا أدرك عبدُ الله -رضي الله عنه- أنه كان مخطِئاً، إذ لم يضبط ذلك الحماسَ، كما نصحَه رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم.
(قَالَ مُجَاهِدٌ:
فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -حَيْثُ ضَعُفَ وَكَبِرَ- يَصُومُ الأَيَّامَ كَذَلِكَ، يَصِلُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ؛ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ، ثُمَّ يُفْطِرُ بِعَدِّ تِلْكَ الأَيَّامِ.
قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ حِزْبِهِ كَذَلِكَ، يَزِيدُ أَحْيَاناً، وَيَنْقُصُ أَحْيَاناً، غَيْرَ أَنَّهُ يُوفِي الْعَدَدَ، إِمَّا فِي سَبْعٍ، وَإِمَّا فِي ثَلاثٍ.
قَالَ: ثُمَّ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: لأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَوْ عَدَلَ، لَكِنِّي فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ) [2] .
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً [3] ! ) ) [4] .
فالإنسانُ -أحياناً- تنتابه موجةٌ من حماسٍ تشبه نَهْمَةَ الجائع، الذي يأكلُ حتى يصلَ إلى حدٍّ؛ لو ألقي إليه أشهى طعامٍ ما استطاع أن يزيد.
فكذا الحماسُ؛ يبذلُ الإنسانُ ما لا تطيقه نفسه من عظيم الجهد، فَتَمَلُّ النفسُ، وتسأمُ العملَ، فلو طلب منه -بعد ذلك- أيسرَ الأعمال؛ ما استطاع أن يقوم بها!
ولكي يكون الحماسُ منضبطاً مثمراً؛ يجب التأكدُ -أولاً- من سلامةِ الهدف، ووضوحِه، وحسابُ عواقبِ إنجازِهِ، وكم يكلف من ثمنٍ، حسي أو معنوي؟ وهل يستحقُّ ذلك الثمنَ؟ وهل تحقيقه متاحٌ؟ وهل يوجد تصورٌ للوصولِ إلى ذلك الهدفِ؟