والحماسُ المنفلتُ هو الذي لا يأخذ صاحبُه في الحسبان المؤثِّراتِ المحيطة، والإمكانات المتاحة، بل أحياناً لا يكون الهدف واضحاً، فقط يحس صاحبه أن هنالك طاقةً تحركه، لكن إلى المجهول! طاقة تتملك الإنسان، وتفقده الشعورَ بنفسه ومَن حولَه، وتُعميه عن كل شي؛ فلا يرى نفسه إلا متحركاً!!
وتتفاوت درجات الحماسِ غير المنضبط، من شخص إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى. إن حماساً من هذا النوع هو الذي أطلقَ لذلك اللاعبِ صافرةَ البداية، فسمعها هو دون الآخرين!!
بلغ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خبرُ أحدِ شبابِ الصحابةِ، يتدفقُ حماساً، ويستكثر من العبادات، ويتزود من الطاعات، على نحو لا تطيقهُ قدراتُ البشر إلا نادراً، فخشي النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يكون حماسُ ذاك الصحابيِّ حماساً منفلتاً، فتكونَ له نتائجُ عكسيةٌ لم يُرِدْها ذلك الصحابيُّ، رضي الله عنه، ولنتركه يروي لنا حوارَه مع رسولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم..
(أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي!
قَالَ: (( فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ! فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ ) ).
قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ!
قَالَ: (( فَصُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ! ) ).
قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ!
قَالَ: (( فَصُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْماً! فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَام- وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ ) ).
فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ!
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ! ) )) [1] .