ودليل ذلك أنّ النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال للرجل الذي قال إنّه أتى أهله في رمضان: (( اعتق رقبة ) )، فقال:"لا أجد". قال: (( صم شهرين متتابعين ) ). فقال:"لا أستطيع". قال: (( أطعم ستين مسكينًا ) ). قال:"لا أجد" [34] فجعلها النبي - صلّى الله عليه وسلّم - مرتبةً، وهذه أغلظ الكفّارات، ويساويها كفّارة الظهار، الذي وصفه الله بأنّه منكر من القول وزور، ويليها كفّارة القتل؛ لأن القتل ليس فيه إلاّ خصلتان، العتق والصيام، وليس فيه إطعام.
وقوله:"صيام شهرين متتابعين"هل المعتبر الأهلّة، أو المعتبر الأهلّة في شهر كامل، والأيام في الشهر المجَزَّأ؟
في هذا قولان للعلماء، والصحيح أن المعتبر الأهلّة؛ سواء في الشهر الكامل، أو في الشهر المجَزَّأ.
فإن قيل: ما الفرق بين القولين؟
فالجواب: يظهر ذلك بالمثال، فإذا ابتدأ الإنسان هذين الشهرين من أول ليلة ثبت فيها الشهر - ولنقل إنّه شهر جُمادى الأولى - ابتدأه من أول يوم منه فيختمه في آخر يوم من شهر جمادى الآخرة، ولنفرض أن جُمادى الأولى تسعة وعشرون يومًا، وكذلك جمادى الآخرة - فيكون صومه ثمانية وخمسين يومًا، وهذا لا شك أنّه يعتبر بالهلال.
لكن إذا ابتدأ الصوم من نصف شهر جمادى الأولى فجمادى الآخرة معتبرة بالهلال لأنّه سوف يدرك أوّل الشهر وآخر الشهر فيعتبر بالهلال يقينًا.
أما الشهر الثاني الذي ابتدأهُ بالخامس عشر من جُمادى الأولى فيكمله ثلاثين يومًا، ويكون آخر صومه اليوم الخامس عشر من رجب على القول الثاني الذي يعتبر الشهر المجزأ ثلاثين يومًا، أمّا على القول الراجح الذي يعتبر الأهلّة مطلقًا: فإنّ آخر أيام صومه هو الرابع عشر من شهر رجب، إذا كان شهر جمادى الأولى تسعة وعشرين يومًا؛ فإذا قدرنا أن شهر جمادى الأولى ناقص، وكذلك شهر جمادى الثانية فيكون صومه ثمانية وخمسين يومًا.