وقد ظهر مما تقدم أن تعمية المنظوم أو الشعر واستخراجه كان من الأهمية بمكان لدى أكثر أعلام التعمية، ولا عجب فالشعر أحد قسمي الكلام، وهو إلى ذلك ديوان العرب، ولذلك ما وجدنا اقترانَ علم العروض والقافية بعلم التعمية لدى كثير من اللغويين والنحاة كما تقدم. والحق أن أكثر ما وقفنا عليه من مصنفات التعمية تناول المعمى من الشعر، وطرقَ حلِّه، وما يحتاج إليه مُستخرِجُه مما تقدم بيانه ونقله، ووجدنا أمثلة ذلك في مؤلفات التعمية غير المفردة لمعمى الشعر. وأقدمهم في هذا الكنديُ الذي نصّ على ثلاثة مبادئ تستعمل في استخراجه إضافةً إلى المبادئ المستعملة في النثر وهي: معرفة القوافي، ومعرفة عدد حروف البيت وفق أوزان الشعر، ومعرفة الحروف الخُرْس (الصامتة) وما يليها من مصوتات [10] .
وأما ابنُ عدلان فأفرد قاعدتين للأمور التي تعتمد في حلّ المعمى من الشعر، وذلك بعد أن استوفى معالجة الكلام المنثور، أهم ما فيهما: معرفة العروض والقافية، والتشاطير والروي، وعدد حروف كل بحر [11] .
ومثل ذلك ما صنعه إسحاق بن وهب الكاتب، فقد تحدث عن حل المعمى من الشعر بعد فراغه من الكلام على استخراج المعمى من النثر، وهو في هذا لا يخرج عما تقدم [12] .
وأما ابنُ دنينير فقد وقف القسم الثاني من كتابه على حلّ ما عُمِّي من الكلام المنظوم، وتناول جميع قضاياه بالتفصيل والشرح في ثلاثين فصلًا (ما بين 36-66) [13] . وهذا أوسع كلام وجدناه في مصنفات التعمية غير المفردة لتعمية الشعر.
على أن أظهر دليل على خطر شأن الشعر، وارتباط علم العروض والقافية بالتعمية، كان وجودَ كثير من مصنفات التعمية، أفردها أصحابها للشعر وحده مثل رسالة أبي الحسن ابن طباطبا في استخراج المعمى [14] ، ورسالة استخراج المعمى من الشعر المجردة من أدب الشعراء [15] . وكذلك ما نقلناه من كتاب الجرهمي ورسالته [16] .
4 -أبرز إسهامات أعلام التعمية في اللسانيات العربية: