ولما انفرط عقد هذه الأمة، وتمزّقت شيعاً وأحزاباً؛ {...كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم:32] ضاع تبليغُ الرسالة إلى الناس كافة كما أنزلت على محمد -صلى الله عليه وسلم-، وضاع تعهدهم عليها، وأصبح لكل حزب طريقة وتصور وأسلوب، يعلن ذلك شعاراتٍ تضجّ، لا نهجَ معها ولا خطَّة! فزادت الخلافات وبدأ الجهل يمتدّ، وغلبت العصبيات الحزبيّة، وأصبح الولاء الأول للحزب وقيادته والعهد الأول مع الحزب وقادته، والحب المضطرب بين أفراد الحزب، وغابت أخوّة الإيمان التي تربط المؤمنين أمّة واحدة، والتي لا تتحقّق إلا إذا كان الولاء الأول لله والعهد الأول مع الله والحبّ الأكبر لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغلبت شهوات الدنيا في كثير من المواقع، والتنافس عليها، وأصبح المنتسبون إلى الإسلام يقتل بعضهم بعضاً في فلسطين والصومال والعراق وأفغانستان، وامتدت الفتن، وتساقطت الديار في هجمة مجنونة وحشية على العالم الإسلامي، هجمة تخضع لنهجهم وخطتهم مستفيدين من جميع نواحي ضعف المسلمين.
وضَعُفَ إيمان بعض المسلمين، وبدأ مسلسل التنازلات الفكرية، والتنازلات عن الأرض، مسلسلاتٌ طويلة ما زالت ممتدة حتى الآن، متحفّزة لتنطلق إلى مدى أبعد ونطاق أوسع.
وأخذت النكبات والفواجع والمجازر تمتد وتتسع في العالم الإسلامي كله، ويبدو أن العالم الإسلامي غير قادر الآن على إيقاف ذلك، أو دفع الغزو والطوفان القادم من الغرب. بل على العكس من ذلك أصبحت بعضُ نفوس المسلمين تُشْتَرى بدراهم معدودة أو غير معدودة، سرّاً أو جهاراً.
لقد أصبح هناك نفوس تلتجئ إلى أمريكا أو إنكلترا أو فرنسا أو غيرها تطلب عندها النجاة. ونسوا أن النجاة هي من عند الله وحده. ولقد رأينا مصير الذين فزعوا إلى الأوثان يطلبون نصرتهم والنجاة عندهم، فإذا هم أول ضحايا تلك الأوثان، سرعان ما يخذلونهم ويرمونهم أذلاء خاسرين.