كانت معنا بأوراقها ومَراجعها وحِرْصها على السُّنن، فعَينَّاها أميرةً على مجموعتنا الصغيرة، وأخبَرَتْنا أنه يُسَنُّ الدعاء خارجَ الخِيام، وأنَّ السُّنة بعد الزوال، ويكثر من الدعاء.
وأمسكْتُ دِفترًا صغيرًا، ضمنت به الدعوات التي أُوصِيتُ بها، وكانت صفحات كثيرةً، تبسَّمت وقتها، وقالت لي بعجل: أخشى أن أنسى أحدًا دون أن أنْتَبه.
هناك افْترشْتُ الأرض بجوار الخيمة، جلسْتُ على تراب الأرض، وتظلني السماء والشمس، وبدأتُ أسْتعيدُ كلَّ مَن أوصاني بدعاء، بدأتُ أدعو بلساني، كنتُ أسمع ضجيج الناس من حولي؛ دعاء جماعي يصدح، مجموعة يتحدثونَ، محاضرة عن فضل يوم عرفة، كنتُ أسمع وأشتت نفسي، لديَّ الكثير الذي أتوق لأن أدعوه، أحتاج خلوة بدعائي لأشعر بخشوع.
تداخَلَتْ أصواتُهم، ما عُدْتُ أُمَيّز بينها! ضجيج فقط كلمات مُتداخِلة بلا معنى، وصلْتُ بدعواتي لمن فارقونا ورحلوا، فاضَتْ عبراتي، وأنا أتخيل نفسي فيما صاروا إليه!
حمدت الله أن بلغني عرفات، أن أَتَاحَ لنا فرصة؛ نُكَفِّر بها عن خطايانا.
كم ظَلَمْنا أنفسنا! كم قصرنا! كم زهدنا بزوادة نحتاجها بيوم لا ينفع به إلا مَن أتى الله بقلب سليم!
رذاذ مِن الماء كان يُبلّل وجهي، ما عدت أدري أمِن عيني وعبراتي، أم من السماء؟ أم أنهم يرشّون ماء؛ يخففون به وهج شمس الظهيرة؟
لسْتُ أدري أيّهم بلَّلَ وجهي؟ أمِ اختلطت كلُّها معًا؟ لكنها جعلتني أشعر برحمة الله، وكيف يَسَّرَ لنا الحج، وسَهَّل سُبُلَه.
سبق لِي أن قُمْتُ بعمرة عن أشخاص أحببتهم ورحلوا؛ لكنني بهذا الحج كنتُ أشعر بشعور آخر، يختلف كثيرًا عن كل مشاعري التي سبقَتْ، شعور جعلني أشْعُر بالموت أقرب، وجعلني أشعر أنَّ الدنيا لا تدوم.