فما كان مِن الأخت التي تُجاورني بالمكان إلا أن خرجت سريعًا إِثْرها، وعادت وهِي ترتَجِف من البرد، تحاول أن تغطيَ نفسها بغطاءٍ خفيف أبقَتْهُ لنفسها، لم يكن لديها سِوى رداءٍ واحد يقيها البرد، ووهبتْهُ لِلفتاة الأخرى التي تعمل حينَما رأتْهَا ترتعش مِن بردها!
دمعت عيوننا ونحن نسألها: ألَمْ تُبقِ لنفسكِ شيئًا؟
قالت باسمةً بشفاهها التي ازرقَّتْ مِن البرد: جسدي مُمْتَلِئ أكثر من أجسادهنَّ، ولديَّ هذا الغطاء سيكفيني!
فما كان من البقية إلا أن أعطينها ما يكفيها بردَ ذلك اليوم؛ لكنه كان درسًا بالعطاء لا يُنْسَى!
"يوم عرفة"
كنت أنتظر هذا اليوم بشَوْق، مِن كثرة ما سمعتُ عنه وعن فضله؛ لكنني بنفس الوقت تَهَيَّبْتُ منه، خشيت ألا أشعر بتلك اللذة التي منَّيتُ نفسي بها، خشيتُ أن تغلبني أمور الدنيا، فتسرق مني حظات طالما تقتُ إليها، خشيتُ أن لا تكفيني الساعاتُ هناك، أن يخذلني قلبي ونفسي..
الليلة التي سبقتها كنتُ أعاني صداعًا شديدًا، وأخشى أن يفسد عليَّ متعة الحج. كثيرات شاركْنَنِي تلك اللحظات بقلوبهنَّ، بدعواتهنَّ لِي أن يُخَفِّفَ الله صداعي، ويبلغَنِي يوم عرفة..
أخوات الخيمة لم يقصرْن بالاهتمام، حتى مَن لَمْ أعرفْ منهنَّ قبلُ.
الزنجبيل الدافئ، والليمون، وأقراص الدواء، كانت تأتيني مِن كل صَوْب، الأكف الصادقة التي ترتفع بالدعاء كانت تجعلني أشعر بشعور الجسد الواحد حقيقة.
جوَّالِي الذي كانت تَصِلُني به رسائل الاطمئنان، وسؤال الأقارب والصديقات ودعواتهم، وما يوصونني به من دعوات.
أيْقَظُونا فجرًا، لم نستطِعِ النومَ ليلتها جيدًا، واستيقظنا بوقت باكرٍ جدًّا؛ لنستعد وننطلقَ بعد الشروق.
تجمعنا وانطلقنا بالسيارات بعد أن صَلَّيْنَا الضُّحَى بالخيام. وصلنا عرفة العاشرة صباحًا تقريبًا، أختي كانت تطمَئِنُّ علينا، فقالت لي: هنيئًا لكم أن وصلْتُم بهذا الوقت، فحينما حجَجْتُ لم نستطعِ الوصول قبل الثانية ظهرًا.