فهرس الكتاب

الصفحة 11031 من 19127

وكما تفاوَتَتْ أجناسُنا، تفاوتَتْ أيضًا ثقافاتُنا، وخلفياتنا الشرعية. آلَمَنِي أن أجدَ إحداهُنَّ لا ترتدي الحجابَ أَصْلاً، وتُقَصِّر في صلاتِها، وتَمْلِكُ قلباً مُرْهفًا، ودموعًا قريبة تدرس بالغرب، وتستقي منه ثقافتها، وأخرى ارتدتِ الحجابَ قريبًا، ولم تقطع صلاتَها يومًا، وتُجاهِد ببيئة مُتفلِّتة، تمسك دينها كالماسِك على الجمر!

وبالمقابل كانتْ بيننا الداعيةُ الحريصةُ التي تزوَّدت بمراجعَ عن الحجِّ، ترجع لها البقية؛ يستَفْسِرْنَ منها، ويسألْنَها كُلَّما أشْكل عليهنَّ أمرٌ، وبيننا المِعْطَاءة الحنونة، التي تسعى لإيصال دعوتها بابتسامتها.

كان اجتماعنا معًا له طعمٌ آخر من مناسك الحج، أن نجتمعَ على اختلافنا لغاية واحدة؛ نسعى جميعًا لرضا الله بالنهاية مهما اختلفتِ الطرقُ، تدعو إحدانا الأخرى، وتُنبهها على تقصيرها بأي أمرٍ.

لا ينفي ذلك أن البعض افتقر للأُسْلُوب، والبعض كان الجهل سببًا لابتِعادِه عن الغاية؛ لكن هناك بذلك الجو، كانت تربية النفوس أيضًا، وجَبْلها على حُسْن الخُلُق.

كثيرة هي المواقِف التي تركَتْ أثرها بنفوسنا، ومن أشدها أثرًا على نفسي هذا الموقف:

كان يومُها باردًا جدًّا، استيقظنا مع الفجر، وجاء الإفطار لنتحلَّقَ حوله كعادتِنا، نستمد الدِّفْء من أكواب الشاي، ومن الطَّعام الذي يمدنا بالطاقة للاستمرار على العبادة، ونستعد بالملابس الثقيلة التي تدفع عنا البرد، يومها لم تدفأ أطرافنا برغم استعدادنا بالملابس، وتكوَّرنا تحت الأغطية، ودخَلَتِ الفتاة التشادية التي تحمل الطعام، وهي ترتدي ملابسَ خفيفة، لا تكاد تغطي جسدها النحيل!

سألْتُها: ألا تشعرينَ بالبرد؟ تابَعَتْ عملها وقالت همسًا: بل أكاد أتَجَمَّد! فسحبت غطائي عن كتفي، وأعطيتها إياه، كنتُ أرتدي ملابسَ تقيني البرد وقتها مع هذا الغطاء. دمِعَتْ عيني وأنا أرى أمارات الشكر مِن عينيها، وهي تلتحف به، وتنظر إليَّ مُمْتَنَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت