فهرس الكتاب

الصفحة 11026 من 19127

وأما قول القائل من السلف: السنة معرفة الحق وإن كنتَ وحدك، فهو يعني - والله أعلم - ما بعد عصر السلف؛ لأن العبرة كما هو معلوم بأقوال السلف، فإن خالفها الخلف فالمرجع فهمُ السلف، ولولا أن قول الرجال معتبر ويعرف به الحق ما كان رجوعنا لفهم السلف - وهم رجال - فائدة.

غير أن معرفة الحق بالرجال مشروط بأن يكون لهؤلاء الرجال وصف زائد على وصف المخالَف، فالصحابةُ لا شك في قدرهم وتقديمهم على غيرهم، وأقوالهم أحب إلينا من أقوالنا لأنفسنا، ولولا أن أقوال الرجال لها قوة ما اختلف العلماء في حجية قول الصحابي.

وقد اختلفوا في حجية قول الجمهور، ولكن لا نزاع في التقوية به عند الخلاف، ولا جدال في قوة التأثير به عند الجدل البياني لا البرهاني.

وحجية الإجماع مشهورة عند علماء الأمة، وما الإجماع إلا أقوال الرجال، ولذلك ذهب بعضُ الشذاذ إلى عدم حجية الإجماع، وما كان ذلك منهم إلا غلوا في رفض أقوال الرجال، وذهبوا يتمحلون الأعذار في رد حجية الإجماع تارة بأنه لا يمكن ثبوته، وتارة بأنهم اختلفوا في تعريفه، وتارة في رد الدليل الدال على حجيته، وهذا الرد للدليل إما بالطعن في صحته، أو بالطعن في مدلوله.

وإذا نظرت إلى أي علم من العلوم، فلا تجد سبيلا إلى معرفة هذا العلم أو الاطلاع عليه إلا بالتلقي عن الشيوخ أو مطالعة الكتب، وكلاهما معرفة للحق بمعرفة الرجال، فالشيوخ رجال، والكتب إنما وضعها رجال، ولا ينفعك أن تقول: يكفيني كتاب الله، فالله عز وجل إنما أنزله ليبينه لنا أعظم رجل وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأنزلنا عليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما نقله لنا الرجال، وبينه لنا الرجال، ودلنا عليه الرجال، وإذا اختلفنا في فهمه فإنما نرجع عند الترجيح لفهم السلف من الرجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت